سوف أروي قصة من صلب الواقع , والكل يعرفها ملخصها عندما كبرت سن أحد الأشخاص جمع إليه أولاده و طلب من كل واحد منهم أن يأتي له برمح و عندما أحضر الأولاد الرماح طلب من كل واحد منهم أن يقوم بكسر رمحه و بما يتمتع به أولاده من فتوة و قوة الشباب قام بكسر الرمح دون أدنى جهد فطلب منهم مرة أخرى إحضار الرماح تعجب الأولاد من طلب الأب , ولكن نزولاً عند رغبته ذهبوا و أحضروا رماح مرة أخرى فجمع الأب في حزمة واحدة و طلب منهم الواحد تلو الآخر أن يقوم بكسر الحزمة , ولكن دون جدوى فما استطاع أحد منهم أن يحرك بها ساكن فقال
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا و إذا افترقن تكسرت آحادا
للأسف الشديد هذا هو حالنا كعرب , رماح متفرقة كل من لا حول له و لا قوة يبرز شجاعته أمام هذا الأمة , فلو أصبحنا حزمة واحدة من ذا الذي يستطيع أو يجرؤ أن يحاول الاقتراب من هذه الحزمة .
لقد فشلت الأمة العربية عن القيام بوحدة عربية و هي أكثر الأمم التي نادت و تنادي بالوحدة العربية في حين اتحدت أمريكا , عرقيات مختلفة و اتحد الاتحاد الأوربي و كل دولة من دوله لها قضيتها الخاصة و فكرتها الخاصة و أرضها الخاصة و كل منهم له عرقيته الخاصة أيضا,
و نحن الذين نملك كل مقومات الوحدة من أرض واحدة و لغة واحدة و ديانة واحدة و آمال و آلام واحدة و عدو مشترك واحد فشلنا في قيام وحدة حتى على أرض دولة واحدة , وذلك لأسباب غير مباشرة و سبب مباشر , وهو عدم وجود رغبة حقيقية لدى القيادات في قيام مثل هذه الوحدة العربية , وليس عدم رغبة الشعوب , فالشعوب العربية من محيطه إلى خليجه راغبة بالوحدة العربية , ولكن مصالح القائمين على هذه الشعوب تفرض عليهم عقوبات اقتصادية و سياسية و قيادية , إذا فكر أحدهم بمثل هذه الخطوة , وهم يترتب عليهم تقديم الرضا و الولاء للقطب الواحد فيطأطئون خاضعين لإرادة هذا القطب الواحد ناسين أو متناسين الرب الواحد الذي أوكلهم أمانة هذه الشعوب , ويا لها من أمانة, لذلك أتصور أن العزف على وتر الوحدة العربية في هذه الظروف كمن يعزف في حضرة الطرشان , فلا بد لهذه الأمة من وحدة أخرى لا تهاب القطب الواحد و ليس أمامنا كبير أو جبار إلا الله سبحانه و تعالى.
على الأمة أن تفكر بقيام وحدة إسلامية , فما بني العرب مجدهم و حضارتهم ووصلوا إلى أعلى المراتب و هزموا الروم و الفرس و فتحوا البلاد و أقاموا الصلاة في بيت المقدس و خضعت لهم رقاب الجبابرة إلا بالوحدة الإسلامية.
على أن تكون هذه الوحدة بين جميع الدول الإسلامية العربية و غير العربية وفي جميع أنحاء العالم , فكما نقوم في كل عام و منذ نصف قرن بقمم عربية لا تسمن و لا تغني من جوع , و كما يوجد لدينا جامعة دول عربية ممثلة بالرحالة عمرو موسى الداعية القومي للأمن و السلام و الاستقرار في المنطقة العربية الآن في لبنان و غدا في العراق و فلسطين و اليمن و السودان , التي لا نعرف متى وأين تنتهي و ماذا بعدها من مصائب الدهر؟.
لماذا لا يكون لدينا ,وهذا السؤال برسم الإجابة لمن يجرؤ من صناع القرار , جامعة الدول الإسلامية ؟ ويكون مقرها مكة المكرمة و تتمثل هذه الجامعة بجميع الدول الإسلامية في العالم و يكون لها في بداية كل سنة هجرية رئيس من دولة من الدول الإسلامية حسب تسلسل الدول الأبجدي وأعضاء مقيمين على خدمة الأمة الإسلامية من جميع الدول الإسلامية في مقرها بمكة المكرمة و يكون لها مكاتب فرعية في جميع الدول الإسلامية , وتمول تمويلا حقيقيا و تجتمع اجتماعات دورية تناقش قضايا الأمة الإسلامية وتقوم على المساعدة في حل مشاكلها , لأن مثل هذه الجامعة تسير على منهج صحيح لا يخضع لمصالح شخصية و لا يدنس وسطها الوساطات و المحسوبيات .
فلو استعرضنا جميع مظاهر الوحدة عبر التاريخ لا نجد مظهرا رائدا لها إلا مظهر الوحدة الإسلامية , هذه الوحدة ستدعم جميع الدول الإسلامية و تعطي المسلمين عامة و العرب خاصة موقف القوي الذي يحسب له ألف حساب بين الدول المتفرعنة , كما تسعى هذه الوحدة قيمة و أهمية الإنسان العربي و المسلم و تحد من الخلافات المذهبية و الطائفية التي زرعها الاستعمار في نفوسنا ليتسنى له غرس كيانه الصهيوني بسهولة في بلادنا المعطاءة و الخيرة ,وتكون هذه الجامعة خطوة لبناء جيل جديد يعمل لمصلحة بلاده و دينه و لا يخشى إلا الله , عندها ننعم بخيرات بلادنا و غلاله و نعود كما كنا شمسا تسطع على الغرب الذين ما استهانونا إلا عندما هانت علينا أنفسنا و هنا على بعضنا البعض , نعود شعوبا قوية بوحدتنا و عزتنا لا أحد يشاركنا حقوقنا و لا يسلبنا إياها.
إذا أردنا نموذجا حقيقيا للوحدة فهذا هو النموذج و لا بغيره نعز و نسود و نرتقي إلى المكان الحقيقي الذي يجب أن نكون فيه بدل الذل و الهوان , وأنا و من يرى نموذج ناجح للوحدة غير هذا النموذج على رهان لأنه لا وحدة تنجح و تستمر بدون أساس و قواعد صلبة و الأسس و القواعد الصلبة هي التي تضع نصب أعينها كلمة الله هي العليا , أما ما تنادون به من وحدة فلن تحصل لأنها تبنى من رمال على شاطئ البحر إن أمست لا تصبح
لو كانت الوحدات التي يقوم بها البشر بأساساتهم و قواعدهم ناجحة لما أنهار الاتحاد السوفياتي , الذي كان يوما ما أكثر تمسكا من الأصابع بالكف , وأخبركم إن كنتم تجرؤون أن تعلموا أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بالعد التنازلي لتكون دويلات بعدد الولايات , و هذا ليس ببعيد , اصنعوا وحدتكم الإسلامية فهي سفينة النجاة إلى بر الأمان في هذا البحر المتلاطم الأمواج .
فالقمم و الأبراج إن نفعتكم اليوم فليست نافعة لكم غداً , واتقوا يوما تردون فيه إلى الله .
المصدر
http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=8332