التغيير الإسلامي).. عبارة شاعت في كتابات الإسلاميين منذ عقود وتداولتها ألسنتهم وأقلامهم، ولا شك أن الأوضاع التي صحبت ظهور هذا المصطلح كان لها أثر كبير في رواجه وسرعة انتشاره، فقد كانت الأمة -وما تزال- تتطلع إلى التغيير وتنشده، وهذا المطلب الملح جعل فريقا من الناس يظنون أن الإسلام في حقيقته فكرة تغييرية انقلابية تريد أن تهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره، وتأتي بنيانه من القواعد، ليؤسس الإسلام بنيانه من جديد حسب فكرته ومنهاجه العملي، والحقيقة أن منهج الإسلام في الإصلاح لم يكن منهجا (تغييريا) يدعو إلى تغيير الأوضاع الفاسدة ويعمل على هدمها فحسب، وإنما كان منهجا (تقريريا) أيضا أقر كثيرا من الأحوال الصالحة التي اتبعها الناس في حياتهم وأقاموا عليها قواعد مدنيتهم وهي كثيرة لا تخلو منها أمة، وقد أحسن العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إيضاح هذا المعنى حينما عقد فصلا في كتابه الفذ (مقاصد الشريعة الإسلامية) بعنوان مقصد الشريعة تغيير وتقرير.
ومن أجل هذا كان من أولويات منهج التغيير الإسلامي أنه يعمل على تدعيم القيم الخيِّرة التي توجد في المجتمعات الإنسانية، وهذه القيم تمثل بلا شك رصيدا ضخما تستند عليه جماعات الإصلاح الإسلامي ذلك لأن الخير أصيل في النفس الإنسانية وله تجلياته وآثاره في واقع الحياة ومهما أظلمت الدنيا فلا تزال في الناس بقية من عقل يهدي ونظام يحفظ المجتمعات من الزوال، والداعية البصير هو ذاك الذي يتلمس هذه الجوانب الخيرة في حياة الأمم ويعمل على دعمها وتثبيتها ثم زيادتها وتكميلها من بعد، وقد حفظت لنا السنة النبوية المباركة جملة من المواقف التي تؤكد هذا الأصل بجلاء منها:
- قوله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول -الذي تداعت له قبائل العرب في الجاهلية نصرة للمظلوم وحماية للضعيف-(لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت) فهذا حلف أقامته قبائل العرب التي لم تشرق عليها أنوار الرسالة بعد بيد أنها كانت على شيئ من القيم الصالحة المتوارثة، فاجتمعت على مقصد إنساني حسن يعود على المجتمع أمنا في معاشه وصلاحا في شؤونه وأحواله، ومن أجل هذا لم يجد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في صدره حرجا أن يكون لهذا الحلف مجيبا وبه مشيدا.
- ومن المواقف التي تؤكد هذا الأصل في السيرة أيضا قوله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية (والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة -يعني المشركين- يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) أخذ علماؤنا الكرام من هذا الموقف النبوي الحكيم قاعدة عظيمة تحتاج من دعاة التغيير الإسلامي إلى تأمل غير قليل وهي (أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه، وأعينوا عليه، وأن كل من التمس المعونة على محبوب لله تعالى مرض له،أجيب إلى ذلك كائنا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه).
فالشاهد من هذا أن حملة المشروع الإسلامي الإصلاحي تنتظرهم آفاق واسعة للبناء والتعاون مع كل راغب في الخير، إعمارا للحياة وانتقالا بالإنسانية أشواطا نحو حياة الفضيلة التي تليق بإنسانية الإنسان.
والتجارب الإسلامية التي قادتها مجموعات من دعاة الإصلاح خلال السنوات القليلة الماضية في الانتقال بالخطاب الدعوي من النقد إلى العمل الذي يستند على تعزيز دور الفرد المسلم في الإصلاح والمشاركة الإيجابية أثبتت لنا أن المسلمين قادرون بما يملكون من مقومات أن يكون لهم دور رائد في إصلاح المجتمعات الإنسانية التي تشكو رَهَق البعد عن منهج الله وتتطلع إلى من ينقذها ويأخذ بيدها إلى سبل السلام وحياة الكرامة
المصدر
http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=8325