اجترح الأكاديميون السودانيون مصطلح "كعة أم درمان" أسوة بمصطلح "النكسة" الشهير، لتوصيف أحداث أم درمان الدامية يوم السبت 11 مايو الجاري، التي هاجمت فيها قوات العدل والمساواة المتمردة مدينة أم درمان العاصمة التاريخية للسودان. وخلفت الأحداث (400) قتيل من حركة العدل والمساواة و (100) من المؤسسة العسكرية السودانية والمدنيين، وأسرت الحكومة السودانية حوالي (600) من جنود وضباط العدل والمساواة، (67) سيارة جنود بسلاحها الثقيل.
والأحداث بمجملها ألقت بظلال سالبة لها ما بعدها على العلاقات السوسوبولتيكية (الاجتماع - سياسية ) بين السودان وتشاد.
بين السودان وتشاد أواصر قديمة تمتد إلى جميع شعاب الحياة، فهنالك قبائل كثيرة مشتركة بين البلدين،ما تزال على تواصل وتزاور وتزواج، ومن الصعب أن تفرق بين سكان السودان في ذلك الجزء المتاخم للتشاد وبين سكان تشاد في اللغة والسحنة والعادات والتقاليد، وهناك صلات اقتصادية قديمة كذلك. وصلات سياسية بين السودان وتشاد متشابكة ومتداخلة ومتساندة فهناك وزراء وقادة سسياسيين كبار يمتون بصلة قرابة ووشيج رحم لقيادات سياسية شهيرة في السياسة السودانية، في أغلب العهود السياسية التي مرت بالبلدين، بما فيها النظامين الشاخصين الآن في تشاد والسودان.
جاءت مشكلة دارفور لتضع العلاقة بين نظام الانقاذ في السودان في مواجهة مباشرة مع نظام جبهة الانقاذ في تشاد، وأمام تعقيدات تلك المشكلة انهارت كل محاولات الصلح حتى التي كانت في باطن بيت الله الحرام بمكة المكرمة.
وبلغت التناقض بين النظامين قمته عندما استطاعت المؤسسة العسكرية السودانية دحر حركة العدل والمساواة -المدعومة تشادياً- تحت أقدام كبري الانقاذ الواصل بين أم درمان التاريخية والعاصمة الإدارية الخرطوم، حيث بلغ ما يمثله نظام الرئيس ديبي في تشاد من خطر على السودان وحكومته برئاسة البشير درجته القصوى، ولم يعد هناك ثمة احتمال لتجربة جديدة في خوض القتال والحرب داخل المدن والحواضر في الشمال الأوسط من السودان، ولهذا أعلن الرئيس البشير صبيحة "كعة أم درمان" قطع العلاقات الدبلماسية مع تشاد، وبحسب نقيب المحامين السودانيين الأستاذ فتحي خليل "فإن هذا الإعلان يستوجب امتناع السودانيين كافة عن أي نوع من التعاون والتعامل مع تشاد، حتى أن شراء بضائع تشادية قد يعد جريمة ترقى لمرتبة الخيانة العظمى"
ويرجع بعض الخبراء غزو خليل الخرطوم إلى رغبة الرئيس التشادي ديبي الدفينة في الثأر من الخرطوم التي يتهمها بدعم المتمردين الذين حاصروا قصره في انجمينا قبل شهور قليلة مضت، لم يعصمه من السقوط التلاشي إلا نجدة د. خليل وجنود حركة العدل والمساواة والتي انطلقت بسياراتها مقطوعة الرؤوس تنهب الأرض من الحدود السودانية التشادية في الشرق نحو الحدود التشادية الكاميرونية في الجنوب الغربي لتنقذ العاصمة انجمينا هناك، وقد أفلحت هذه القوات في مسعاها بعد أن خدمتها ظروف المعارضة التشادية الذاتية والموضوعية، ولعل هذه التجربة في نقل قوة ضاربة عبر مسار صحراوي طويل بكل عتادها العسكري وإنجاز مهمة عسكرية كبيرة بحجم مواجهة عدد من الفصائل المعارضة مجتمعة هو الذي ألقى في روع د. خليل أنه قادر على عبر الفيافي واقتحام القصر الجمهوري بالخرطوم، وأراد ديبي أيضاً أن تكون هذه الكعة بتلك الزنقة، مستغلاً غبن أبناء دارفور وتطلع قادتهم للسلطة.
ولكن يبدو أن السحر انقلب على الساحر، فلم تفلح محاولة خليل، وتكبدت خسائر فادحة في الأرواح والسلاح، وأصبح جنود العدل والمساواة أصحاب البطولة والشجاعة بين قتيل وأسير، وطريد، والأحوال الثلاث لا تسمح لهم بنجدة ديبي لو تعرض لذات الظروف، و يبدو أن الأحداث جميعها تتجه لتعيد تكرار المشهدي التشادي الداخلي: ديبي حبيس قصره والمعارضة تحيط به من كل جانب.
ولكن فروقاً كبيرة في وقائع اليوم مقارنة بأحداث الأمس، فالمعارضة التشادية أعلنت أنها أكملت استعداداتها لحسم الوضاع التشادية لصالحها عسكرياً مستغلة غياب خليل وقواته من الساحة التشادية، وعدد من ضباط الجيش التشادي الذين شاركوا في "كعة أم درمان"، وأنها استطاعت الاستفادة من سلبيات تجربتها السابقة، بحيث استطاعت حسم خياراتها السياسية بتوزيع مناسب للمناصب والمسؤوليات بعد اسقاط ديبي والآن تسعى لتحييد قوات اليورفور ببث تطمينات للدول الأوربية المشاركة في هذه القوات بان مصالحها في تشاد ستكون في الحفظ والصون.
إذن أصبح عمر النظام التشادي آخذ في التناقص يوم بعد يوم، ليعاد تشكيل المنطقة من جديد، نظام تشادي موالي للخرطوم، حركات دارفورية يتيمة بلا راعي من دول الجوار، دعوات للتفاوض السوداني / السوداني من جديد، الحركات المسلحة تصبح أمام خيارين : عمليات عسكرية تستهدف أهداف داخل المدن السودانية حتى القضاء عليها أو التفاوض.
المصدر
http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=8328