البعض ممن تحلّقوا حول منظومات فكرية وسياسية وثقافية لا تستند إلى الإسلام ولا تمت له بصلة، تجدهم يلوكون مصطلحات وشعارات تخدع البسطاء، تحمل في ظاهرها العدالة وحقوق الإنسان وفي مكنونها مصادرة لقيم وثوابت الأمة.
وتتضح الحقيقة وما هو مستخفٍ خلف هذه الشعارات عندما نتجه غربا بحثا عن حلول لقضايانا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ونلقي القياد لنظريات وضعت خصيصا لتعالج مشاكل لم تعاني منها بيئتنا.
إن الدعوة إلى الديمقراطية كقيمة أعلى (إن كان هناك قيمة فالديمقراطية أعلى) وأولوية قصوى ومرتكزا فكريا ومرجعية سياسية وثقافية يؤكد ما عليه بعض العقول التي تلهث خلف سراب التغريب والتجديد والحداثة بعد أن آثرت طريقة جحر الضب، وأصبحت عالة على غيرها، وطفيليات تقتات من بقايا الأمم ونفايات الحضارات المادية والفكر الكاذب.
لقد كان للإسلام السبق في تقدير القواعد العامة للإنسانية وصياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق واجبات كل تجاه الآخر، ومبدأ حرية الرأي والتعبير والاعتقاد وكفالة حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، ولو تتبعنا ذلك في التاريخ الإسلامي نجده حقيقة واقعية، سلوكا وأخلاقا، لا شعارات ترفع ولا تلبث أن تعصف بها المصالح والأهواء.
ومن ذلك يقول الخليفة الصديق رضي الله عنه وأرضاه في أول خطبة له بعد الخلافة:(أيها الناس إنما وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).
ويقول الفاروق رضي الله عنه: (أيها الناس من رأى فيّ اعوجاجا فليقومني) وترد عليه امرأة وهو فوق المنبر فيقول: (أصابت امرأة وأخطأ عمر) وغير ذلك الكثير ولو ذهبنا نتقصى لما وسعتنا المجلدات.
وقد أقر الإسلام ذلك ليصب في إطار بناء وتعضيد الأمة لا في إطار تغييب هوية الأمة وطمس معالمها.
والناظر إلى واقع البلاد التي استجلبت منها الديمقراطية تجدها -أي الديمقراطية – فارقت الحياة من زمن ولم يبقَ إلا اسمها يردده الغوغاء، فمن ضاقوا ذرعا بالإسلام وقد علت الأصوات النشاز التي تمجد الديمقراطية، وكم من أقلام وأحزاب تدور حول الديمقراطية مدحا وإطراءا منذ مئات السنين وإلى اليوم هذا، وسمعنا (جعجة) ولم نرَ (طحينا)..!
فإن كانت الديمقراطية قد أقرت هذه القيم كما تدعون فقد سبقها الإسلام وإلى ما هو أبعد، وما لم تصل ولن تصل إليه الديمقراطية.
فلماذا الديمقراطية؟ أليس الأجدر أن يكون الإسلام إن كان حقا تريد للإنسانية الخير والحق والفضيلة؟!.
وإلا فهذه مشاقة (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى نصله جهنم وساءت مصيرا)الآية.
وهذه واحدة من خطوات الحرب على الإسلام والتي ينفذها هؤلاء بالوكالة.
خلاصة القول، إن لنا في الإسلام مرتكزا فكريا وسياسيا ومرجعيا لكل مسلم، منه نأخذ وإليه نعود، ونظل نردد الإسلام هو الحل شاء أم أبى من تخفى خلف ستار حقوق الإنسان وقيم الحرية، وله من وراء ذلك مآرب أخرى.
ويظل الإسلام سقفا وميزانا لكل فكرة ورادة وقيمة مستجلبة وتبقى الديمقراطية قاعدة براجماتية (ذرائعية) وعبرها تصبح الحضارة والثقافة والسياسة والحكم فوضى وفريسة للعابثين والمنافقين.
المصدر
http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=8298