الصادق بن حمد
30-01-2006, 02:38 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحباب رسول الله ... وليس هناك أفضل من كلام الله ...
القائل في حبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأحبابه وسلم
في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ *
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) سورة التوبة ، الآية 128 ،129 . مكية .
تفسير القرطبي
هاتان الآيتان في قول أبي أقرب القرآن بالسماء عهداً. وفي قول سعيد بن جبير: آخر ما نزل من القرآن "واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله" [البقرة:281] على ما تقدم. فيحتمل أن يكون قول أبي: أقرب القرآن بالسماء عهداً بعد قوله: "واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله". والله أعلم. والخطاب للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك، إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه، وشرفوا به غابر الأيام. وقال الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم، والمعنى: لقد جاءكم رسول من البشر، والأول أصوب. قال ابن عباس: ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال: يا معشر العرب، لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل. والقول الثاني أوكد للحجة، أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتموا به. قوله تعالى: "من أنفسكم" يقتضي مدحاً لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها. وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش من بني هاشم واصطفاني من بني هاشم". وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني من نكاح ولست من سفاح". معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من نكاح، ولم يكن فيه زنى. وقرأ عبد الله بن قسيط المكي من أنفسكم بفتح الفاء من النفاسة، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها، أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم، من قولك: شيء نفيس إذا كان مرغوباً فيه. وقيل: من أنفسكم، أي أكثركم طاعة. قوله تعالى: "عزيز عليه ما عنتم" أي يعز عليه مشقتكم. والعنت: المشقة، من قولهم: أكمة عنوت إذا كان شاقة مهلكة. وقال ابن الأنباري: أصل التعنت التشديد، فإذا قالت العرب: فلان يتعنت فلاناً ويعنته فمرادهم يشدد عليه ويلزمه. بما يصعب عليه أداؤه. وقد تقدم في البقرة. وما في ما عنتم مصدرية، وهي ابتداء وعزيز خبر مقدم. ويجوز أن يكون ما عنتم فاعلاً بعزيز، وعزيز صفة للرسول، وهو أصوب وكذا حريص عليكم وكذا رؤوف رحيم رفع على الصفة. قال الفراء: ولو قرئ عزيزاً عليه ما عنتم حريصاً رؤوفاً رحيماً، نصباً على الحال جاز. قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال: حدثنا عبد الله بن محمد الخزاعي قال: سمعت عمرو بن علي يقول: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول في قوله عز وجل: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم" قال: أن تدخلوا النار، "حريص عليكم" قال: أن تدخلوا الجنة. وقيل: حريص عليكم أن تؤمنوا. وقال الفراء: شحيح بأن تدخلوا النار. والحرص على الشيء: الشح عليه أن يضيع ويتلف. "بالمؤمنين رؤوف رحيم" الرؤوف: المبالغ في الرأفة والشفقة. وقد تقدم في البقرة معنى رؤوف رحيم مستوفى. وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: "بالمؤمنين رؤوف رحيم" وقال: "إن الله بالناس لرؤوف رحيم" [البقرة:143]. وقال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم، عزيز عليه ما عنتم لا يهمه إلا شأنكم، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته، فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة.
قوله تعالى: "فإن تولوا فقل حسبي الله" أي إن أعرض الكفار يا محمد بعد هذه النعم التي من الله عليهم بها فقل حسبي الله، أي كافي الله تعالى "لا إله إلا هو عليه توكلت" أي اعتمدت، وإليه فوضت جميع أموري. "وهو رب العرش العظيم" خص العرش لأنه عظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه إذا ذكره. وقراءة العامة بخفض العظيم نعتاً للعرش. وقرئ بالرفع صفة للرب، رويت عن ابن كثير، وهي قراءة ابن محيصن. وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء قال: "من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات، كفاه الله ما أهمه صادقاً كان بها أو كاذباً" وفي نوادر الأصول عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مكفياً مجزياً: خمس للدنيا وخمس للآخرة حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغى علي حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند الموت حسبي الله عند المساءلة في القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله عند الصراط حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب". وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهداً بالله تعالى هاتان الآيتان "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" إلى آخر السورة، وقد بيناه. وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس: أن آخر ما نزل من القرآن "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" وهذه الآية. ذكره الماوردي. وقد ذكرنا عن ابن عباس خلافه، على ما ذكرناه في البقرة، وهو أصح. وقال مقاتل: تقدم نزولها بمكة. وهذا فيه بعد، لأن السورة مدنية، والله أعلم. وقال يحيى بن جعدة: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان، فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" فقال عمر: والله لا أسألك عليهما بينة، كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم، فأثبتهما. قال علماؤنا: الرجل هو خزيمة بن ثابت، وإنما أثبتهما عمر رضي الله عنه بشهادته وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر، بخلاف آية الأحزاب "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" [الأحزاب:23] فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم هذا المعنى في مقدمة الكتاب. والحمد لله.
تفسير أبن كثير
يقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم عليه السلام " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " وقال تعالى " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم " وقال تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " أي منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته وذكر الحديث. وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " قال لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية وقال صلى الله عليه وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبدالرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي. حدثنا ابن أحمد يوسف بن هارون بن زياد حدثنا ابن أبي عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي لحدثني عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء " وقوله تعالى " عزيز عليه ما عنتم " أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال " بعثت بالحنيفية السمحة " وفي الصحيح " إن الدين يسر " وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه " حريص عليكم " أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن قطن عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم " وقال الإمام أحمد: حدثنا قطن حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعيد عن عبدة الهذلي عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب " وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان فيما يرى النائم فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواة تتبعوني؟ فقالوا نعم قال فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا بلى فقال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني فقالت طائفة بلى صدق والله لنتبعنه وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه. وقال البزار حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا: حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء قال عكرمة: أراه قال في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم قال " أحسنت إليك؟ " قال الأعرابي لا ولا أجملت فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال " إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت " فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال " أحسنت إليك؟ " فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. قال النبي صلى الله عليه وسلم " إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم " فقال نعم. فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صاحبكم كان جاءك فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي؟ " فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا. فقال لهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها فتوجه إليها وأخذ لها من قشام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار " رواه البزار ثم قال لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه " قلت "وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان والله أعلم وقوله " بالمؤمنين رءوف رحيم " كقوله " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز " الرحيم ".
وهكذا أمره تعالى في قوله تعالى " فإن تولوا " أي تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة " فقل حسبي الله لا إله إلا هو " أي الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت كما قال تعالى " رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا " " وهو رب العرش العظيم " أي هو مالك كل شيء وخالقه لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى وعلمه محيط بكل شيء وقدره نافذ في كل شيء وهو على كل شيء وكيل قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي حدثنا بشر بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة. وقال عبدالله بن الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا عبد المؤمن حدثنا عمر بن شقيق حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنهم أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " الآية فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تعالى " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " وهذا غريب أيضا وقال أحمد: حدثنا علي بن بحر حدثنا علي بن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن الزبير رضي الله عنه قال أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى عبدالله بن عمر بن الخطاب فقال من معك على هذا؟ قال لا أدري والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها فوضعوها في آخر براءة وقد تقدم الكلام أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن فأمر زيد بن ثابت فجمعه وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك. وفي الصحيح أن زيدا قال فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة وقد قدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها والله أعلم. وقد روى أبو داود عن يزيد بن محمد عن عبدالرزاق بن عمر - وقال كان من ثقات المسلمين من المتعبدين - عن مدرك بن سعد قال يزيد شيخ ثقة عن يونس بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: " من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمة "; وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبدالرزاق عن عمر هذا من رواية أبى زرعة الدمشقي عنه عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول " ما من عبد يقول حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات صادقا كان بها أو كاذبا إلا كفاه الله ما أهمه " وهذه زيادة غريبة ثم رواه في ترجمة عبدالرزاق أبي محمد عن أحمد بن عبدالله بن عبدالرزاق عن جده عبدالرزاق بن عمر بسنده فرفعه فذكر مثله بالزيادة وهذا منكر والله أعلم. آخر تفسير سورة براءة ولله الحمد والمنة.
تفسيرالجلالين
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم) أي منكم : محمد صلى الله عليه وسلم (عزيز) شديد (عليه ما عنتم) أي عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه (حريص عليكم) أن تهتدوا (بالمؤمنين رؤوف) شديد الرحمة (رحيم) يريد لهم الخير .
(فإن تولوا) عن الإيمان بك (فقل حسبي) كافيّ (الله لا إله إلا هو عليه توكلت) به وثقت لا بغيره (وهو رب العرش) الكرسي (العظيم) خصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات ، وروى الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال : آخر آية نزلت {لقد جاءكم رسول} إلى آخر السورة .
(منقول ) قاطعوا الدنمارك... جزاكم الله كل خيرٍ ...
وسلمتم ...
أحباب رسول الله ... وليس هناك أفضل من كلام الله ...
القائل في حبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأحبابه وسلم
في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ *
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) سورة التوبة ، الآية 128 ،129 . مكية .
تفسير القرطبي
هاتان الآيتان في قول أبي أقرب القرآن بالسماء عهداً. وفي قول سعيد بن جبير: آخر ما نزل من القرآن "واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله" [البقرة:281] على ما تقدم. فيحتمل أن يكون قول أبي: أقرب القرآن بالسماء عهداً بعد قوله: "واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله". والله أعلم. والخطاب للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك، إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه، وشرفوا به غابر الأيام. وقال الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم، والمعنى: لقد جاءكم رسول من البشر، والأول أصوب. قال ابن عباس: ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال: يا معشر العرب، لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل. والقول الثاني أوكد للحجة، أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتموا به. قوله تعالى: "من أنفسكم" يقتضي مدحاً لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها. وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش من بني هاشم واصطفاني من بني هاشم". وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني من نكاح ولست من سفاح". معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من نكاح، ولم يكن فيه زنى. وقرأ عبد الله بن قسيط المكي من أنفسكم بفتح الفاء من النفاسة، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها، أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم، من قولك: شيء نفيس إذا كان مرغوباً فيه. وقيل: من أنفسكم، أي أكثركم طاعة. قوله تعالى: "عزيز عليه ما عنتم" أي يعز عليه مشقتكم. والعنت: المشقة، من قولهم: أكمة عنوت إذا كان شاقة مهلكة. وقال ابن الأنباري: أصل التعنت التشديد، فإذا قالت العرب: فلان يتعنت فلاناً ويعنته فمرادهم يشدد عليه ويلزمه. بما يصعب عليه أداؤه. وقد تقدم في البقرة. وما في ما عنتم مصدرية، وهي ابتداء وعزيز خبر مقدم. ويجوز أن يكون ما عنتم فاعلاً بعزيز، وعزيز صفة للرسول، وهو أصوب وكذا حريص عليكم وكذا رؤوف رحيم رفع على الصفة. قال الفراء: ولو قرئ عزيزاً عليه ما عنتم حريصاً رؤوفاً رحيماً، نصباً على الحال جاز. قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال: حدثنا عبد الله بن محمد الخزاعي قال: سمعت عمرو بن علي يقول: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول في قوله عز وجل: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم" قال: أن تدخلوا النار، "حريص عليكم" قال: أن تدخلوا الجنة. وقيل: حريص عليكم أن تؤمنوا. وقال الفراء: شحيح بأن تدخلوا النار. والحرص على الشيء: الشح عليه أن يضيع ويتلف. "بالمؤمنين رؤوف رحيم" الرؤوف: المبالغ في الرأفة والشفقة. وقد تقدم في البقرة معنى رؤوف رحيم مستوفى. وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: "بالمؤمنين رؤوف رحيم" وقال: "إن الله بالناس لرؤوف رحيم" [البقرة:143]. وقال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم، عزيز عليه ما عنتم لا يهمه إلا شأنكم، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته، فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة.
قوله تعالى: "فإن تولوا فقل حسبي الله" أي إن أعرض الكفار يا محمد بعد هذه النعم التي من الله عليهم بها فقل حسبي الله، أي كافي الله تعالى "لا إله إلا هو عليه توكلت" أي اعتمدت، وإليه فوضت جميع أموري. "وهو رب العرش العظيم" خص العرش لأنه عظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه إذا ذكره. وقراءة العامة بخفض العظيم نعتاً للعرش. وقرئ بالرفع صفة للرب، رويت عن ابن كثير، وهي قراءة ابن محيصن. وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء قال: "من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات، كفاه الله ما أهمه صادقاً كان بها أو كاذباً" وفي نوادر الأصول عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مكفياً مجزياً: خمس للدنيا وخمس للآخرة حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغى علي حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند الموت حسبي الله عند المساءلة في القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله عند الصراط حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب". وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهداً بالله تعالى هاتان الآيتان "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" إلى آخر السورة، وقد بيناه. وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس: أن آخر ما نزل من القرآن "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" وهذه الآية. ذكره الماوردي. وقد ذكرنا عن ابن عباس خلافه، على ما ذكرناه في البقرة، وهو أصح. وقال مقاتل: تقدم نزولها بمكة. وهذا فيه بعد، لأن السورة مدنية، والله أعلم. وقال يحيى بن جعدة: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان، فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" فقال عمر: والله لا أسألك عليهما بينة، كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم، فأثبتهما. قال علماؤنا: الرجل هو خزيمة بن ثابت، وإنما أثبتهما عمر رضي الله عنه بشهادته وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر، بخلاف آية الأحزاب "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" [الأحزاب:23] فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم هذا المعنى في مقدمة الكتاب. والحمد لله.
تفسير أبن كثير
يقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم عليه السلام " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " وقال تعالى " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم " وقال تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " أي منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته وذكر الحديث. وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " قال لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية وقال صلى الله عليه وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبدالرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي. حدثنا ابن أحمد يوسف بن هارون بن زياد حدثنا ابن أبي عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي لحدثني عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء " وقوله تعالى " عزيز عليه ما عنتم " أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال " بعثت بالحنيفية السمحة " وفي الصحيح " إن الدين يسر " وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه " حريص عليكم " أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن قطن عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم " وقال الإمام أحمد: حدثنا قطن حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعيد عن عبدة الهذلي عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب " وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان فيما يرى النائم فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواة تتبعوني؟ فقالوا نعم قال فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا بلى فقال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني فقالت طائفة بلى صدق والله لنتبعنه وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه. وقال البزار حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا: حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء قال عكرمة: أراه قال في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم قال " أحسنت إليك؟ " قال الأعرابي لا ولا أجملت فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال " إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت " فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال " أحسنت إليك؟ " فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. قال النبي صلى الله عليه وسلم " إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم " فقال نعم. فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صاحبكم كان جاءك فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي؟ " فقال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا. فقال لهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها فتوجه إليها وأخذ لها من قشام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار " رواه البزار ثم قال لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه " قلت "وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان والله أعلم وقوله " بالمؤمنين رءوف رحيم " كقوله " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز " الرحيم ".
وهكذا أمره تعالى في قوله تعالى " فإن تولوا " أي تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة " فقل حسبي الله لا إله إلا هو " أي الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت كما قال تعالى " رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا " " وهو رب العرش العظيم " أي هو مالك كل شيء وخالقه لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى وعلمه محيط بكل شيء وقدره نافذ في كل شيء وهو على كل شيء وكيل قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي حدثنا بشر بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة. وقال عبدالله بن الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا عبد المؤمن حدثنا عمر بن شقيق حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنهم أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " الآية فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى آخر السورة قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تعالى " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " وهذا غريب أيضا وقال أحمد: حدثنا علي بن بحر حدثنا علي بن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن الزبير رضي الله عنه قال أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " إلى عبدالله بن عمر بن الخطاب فقال من معك على هذا؟ قال لا أدري والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها فوضعوها في آخر براءة وقد تقدم الكلام أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن فأمر زيد بن ثابت فجمعه وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك. وفي الصحيح أن زيدا قال فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة وقد قدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها والله أعلم. وقد روى أبو داود عن يزيد بن محمد عن عبدالرزاق بن عمر - وقال كان من ثقات المسلمين من المتعبدين - عن مدرك بن سعد قال يزيد شيخ ثقة عن يونس بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: " من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمة "; وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبدالرزاق عن عمر هذا من رواية أبى زرعة الدمشقي عنه عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول " ما من عبد يقول حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات صادقا كان بها أو كاذبا إلا كفاه الله ما أهمه " وهذه زيادة غريبة ثم رواه في ترجمة عبدالرزاق أبي محمد عن أحمد بن عبدالله بن عبدالرزاق عن جده عبدالرزاق بن عمر بسنده فرفعه فذكر مثله بالزيادة وهذا منكر والله أعلم. آخر تفسير سورة براءة ولله الحمد والمنة.
تفسيرالجلالين
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم) أي منكم : محمد صلى الله عليه وسلم (عزيز) شديد (عليه ما عنتم) أي عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه (حريص عليكم) أن تهتدوا (بالمؤمنين رؤوف) شديد الرحمة (رحيم) يريد لهم الخير .
(فإن تولوا) عن الإيمان بك (فقل حسبي) كافيّ (الله لا إله إلا هو عليه توكلت) به وثقت لا بغيره (وهو رب العرش) الكرسي (العظيم) خصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات ، وروى الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال : آخر آية نزلت {لقد جاءكم رسول} إلى آخر السورة .
(منقول ) قاطعوا الدنمارك... جزاكم الله كل خيرٍ ...
وسلمتم ...