الصادق بن حمد
30-01-2006, 03:03 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحبة خير خلق الله ... هكذا هو حبيبنا رسول الله ...
خلقه القرآن ...ورحمة للعالمين...
قال فيه وفي أحبابه أرحم الراحمين ...
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )
سورة الفتح ، الآية 29 . مدنية .
تفسير القرطبي
فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : " محمد رسول الله " ( محمد ) و( رسول ) خبره ، وقيل : ( محمد ) ابتداء و ( رسول الله ) نعته " والذين معه " عطف على المبتدأ والخبر فيما بعده ، فلا يوقف على هذا التقدير على ( رسول الله ) وعلى الأول يوقف على ( رسول الله ) لأن صفاته عليه السلام تزيد على ما وصف أصحابه ، فيكون ( محمد ) ابتداء و ( رسول الله ) الخبر ( والذين معه ) ابتداء ثان ، و( أشداء ) خبره و ( رحماء ) خبر ثان ، وكون الصفات في جملة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو الأشبه ، قال ابن عباس : أهل الحديبية أشداء على الكفار ، أي غلاظ عليهم كالأسد على فريسته ، وقيل : المراد بـ( الذين معه ) جميع المؤمنين " رحماء بينهم " أي يرحم بعضهم بعضاً ، وقيل متعاطفون متوادون ، وقرأ الحسن ، ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) بالنصب على الحال ، كأنه قال : والذين معه في حال شدتهم على الكفار وتراحمهم بينهم ، " ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا " إخبار عن كثرة صلاتهم ، " يبتغون فضلا من الله ورضوانا " أي يطلبون الجنة ورضا الله تعالى . الثانية : قوله تعالى : " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " السيما العلامة ، وفيها لغتان : المد والقصر ، لأي لاحت علامات التهجد بالليل وأمارات السهر ، وفي سنن ابن ماجة قال : حدثنا إسماعيل بن محمد الطلخي قال حدثنا ثابت بن موسى أبو يزيد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " ، وقال ابن العربي : ودسه قوم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الغلط ، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذكر بحرف ، وقد روى ابن وهب عن مالك ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) ذلك مما يتعلق بجباهم من الأرض عند السجود ، وبه قال سعيد بن جبير ، وفي الحديث الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى صبيحة إحدى وعشرين من رمضان وقد وكف المسجد وكان على عريش ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته وعلى جبهته وأرنبته أثر الماء والطين " ، وقال الحسن : هو بياض يكو في الوجه يوم القيامة ، وقاله سعيد بن جبير أيضاً ، ورواه العوفي عن ابن عباس ، قاله الزهري ، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ، فيه : " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلإ الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود " ، وقال شهر بن حوشب : يكون موضع السجود من وجههم كالقمر ليلة البدر ، وقال ابن عباس و مجاهد : السيما في الدنيا وهو السمت الحسن ، وعن مجاهد أيضاً ، هو الخشوع والتواضع قال منصور : سألت مجاهداً عن قوله تعالى : " سيماهم في وجوههم " أهو أثر يكون بين عيني الرجل ؟ قال لا ، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلباً من الحجارة ! ولكنه نور في وجوههم من الخشوع ، وقال ابن جريج : هو الوقار والبهاء ، وقال شمر بن عطية : هو صفرة الوجه من قيام الليل ،قال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى ، وقال الضحاك : أما إنه ليس بالندب في وجوههم ولكنه الصفرة ، وقال سفيان الثوري : يصلون بالليل فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم ، بيانه قوله صلى الله عليه وسلم : " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار "، وقد مضى القول فيه آنفاً ، وقال عطاء الخراساني : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس . الثالثة : قوله تعالى : " ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل " قال الفراء : فيه وجهان ، إن شئت قلت المعنى ذلك مثلهم في التوراة وفي الإنجيل أيضاً ، كمثلهم في القرآن ، فيكون الوقف على ( الإنجيل ) وإن شئت قلت : تمام الكلام ذلك مثلهم في التوراة ، ثم ابتدأ فقال : ومثلهم في الإنجيل ، وكذا قال ابن عباس وغيره : هما مثلان أحدهما في التوراة والآخر في الإنجيل ، فيوقف على هذا على ( التوراة ) وقال مجاهد : هو مثل واحد ، يعني أن هذه صفتهم في التوراة والإنجيل ، فلا يوقف على ( التوراة ) على هذا ، ويوقف على ( الإنجيل ) ويبتدئ " كزرع أخرج شطأه " على معنى وهم كرزع و ( شطأه ) يعني فراخه وأولاده ، قاله ابن زيد وغيره ، وقال مقاتل : هو نبت واحد ، فإذا خرج ما بعده فقد شطأه ، قال الجوهري : شطء الزرع والنبات فراخه ، والجمع أشطاء وقد أشطأ الزرع خرج شطؤه ، قال الأخفش في قوله ( أخرج شطأه ) أي طرفه ، وحكاه الثعلبي عن الكسائي ، وقال الفراء : أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا خرج ، قال الشاعر : أخرج الشطء على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر الزجاج : أخرج شطأه أي نباته ، وقيل : إن الشطء شوك السنبل ، والعرب أيضاً تسميه : السفا ، وهو شوك البهمي ، قاله قطرب ، وقيل : إنه السنبل ، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان ، قاله الفراء ، حكاه الماوردي ، وقرأ ابن كثير و ابن ذكوان ( شطأه ) بفتح الطاء ، وأسكن الباقون ، وقرأ أنس و نصر بن عاصم و ابن وثاب ( شطاه ) مثل عصاه ، وقرأ الجحدري و ابن أبي إسحاق ( شطه ) بغير همزة وكلها لغات فيها . وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء ضعيفاً فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره ، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه ، فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان ، وقال قتادة : مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، " فآزره " أي قواه وأعانه وشده ، أي قوى الشطء الزرع ، وقيل بالعكس ، أي قوى الزرع الشطء ، وقراءة العامة ( آزره ) بالمد ، وقرأ ابن ذكوان و أبو حيوة و حميد بن قيس ( فآزره ) مقصورة ، مثل فعله ، والمعروف المد قال امرؤ القيس : بمحنية قد آزر الضال نبتها مجر جيوش غانمين وخيب " فاستوى على سوقه " على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له ، والسوق : جمع الساق : " يعجب الزراع " أي يعجب هذا الزرع زراعه ، وهو مثل كما بينا ، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم ، والشطء أصحابه ، كانوا قليلاً فكثروا ، وضعفاء فقووا ، قاله الضحاك وغيره " ليغيظ بهم الكفار " اللام متعلقه بمحذوف ، أي فعل الله هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار . الرابعة : قوله تعالى : " وعد الله الذين آمنوا " أي وعد الله هؤلاء الذين مع محمد ، وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة " منهم مغفرة وأجرا عظيما " أي ثواباً لا ينقطع وهو الجنة وليست ( من ) في قوله ( منهم ) مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم ، ولكنها عامة مجنسة ، مثل قوله تعالى : " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " [ الحج : 30 ] ، لا يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس ، أي فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان ، إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى ، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب ، فأدخل ( من ) يفيد بها الجنس وكذا ( منهم ) أي من هذا الجنس ، وقد يخصص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بوعد المغفرة تفضيلاً لهم ، وإن وعد الله جميع المؤمنين المغفرة ، وفي الآية جواب آخر ، وهو أن ( من ) مؤكدة للكلام ، والمعنى وعدهم الله كلهم مغفرة وأجراً عظيماً ، فجرى مجرى قول العربي : قطعت من الثوب قميصاً ، يريد قطعت الثوب كله قميصاً ، و ( من ) لم يبعض شيئاً وشاهد هذا من القرآن " وننزل من القرآن ما هو شفاء " [ الإسراء : 82 ] ، معناه وننزل القرآن شفاء ، لأن كل حرف منه يشفي وليس الشفاء مختصاً به بعضه دون بعض ، على أن من اللغويين من يقول : ( من ) مجنسة ، تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن ، ومن جهة القرآن ، ومن ناحية القرآن ، قال زهير : أمن أم أوفى دمنة لم تكلم أراد من ناحية أم أوفى دمنة ، أم من منازلها دمنة ، وقال الآخر : أخو رغائب يعطيها ويسألها يأبى الظلامة منه النوفل الزفر ( من ) لم تبعض شيئاً ، إذ كان المقصد يأبى الظلامة لأنه نوفل زفر ، والنوفل الكثير العطاء ، والزفر : حامل الأثقال والمؤمن عن الناس . الخامسة : روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير : كنا عند مالك بن أنس ، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأ مالك هذه الآية " محمد رسول الله والذين معه " حتى بلغ " يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار " ، فقال مالك : من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية ، ذكره الخطيب أبو بكر . قلت : لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله ، فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه ، في روايته قد رد على الله رب العالمين ، وأبطل شرائع المسلمين ، قال الله تعالى : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار " الآية ، وقال :" لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " [ الفتح : 18 ] ، إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم ، والشهادة لهم بالصدق والفلاح ، قال الله تعالى : " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " [ الأحزاب : 23 ] ، وقال " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا " إلى قوله : " أولئك هم الصادقون " [ الحشر : 8 ] ، ثم قال عز من قائل : " والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم " إلى قوله " فأولئك هم المفلحون " [ الحشر : 9 ] ، وهذا كله من علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم ، و" رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " ، وقال : " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه " ، خرجهما البخاري ، وفي حديث آخر : " فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه "، قال أبو عبيد : معناه لم يدرك مد أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد ، فالنصيف هو النصف هنا ، وكذلك يقال للعشر عشير ، وللخمس خميس ، وللتسع تسيع ، وللثمن ثمين ، وللسبع سبيع وللسدس سديس ، وللربع ربيع ولم تقل العرب للثلث ثليث ، وفي البزار عن جابر مرفوعاً صحيحاً : " إن الله أختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين وأختار لي من أصحابي أربعة يعني أبا بكر وعمر وعثمان فجعلهم أصحابي " ، وقال : " في أصحابي كلهم خير "، وروى عويم بن ساعدة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل اختارني واختار أصحابي فجعل لي منهم وزراء واختاناً وأصهاراً فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً " ، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة ، فحذار من الوقوع في أحد منهم ، كما فعل من طعن في الدين فقال : إن المعوذتين ليستا من القرآن ، وما صح حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر ، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها ، فروايته مطرحة ، وهذا رد لما ذكرناه من الكتاب والسنة ، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من الملة ، فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري و مسلم وغيرهما ، فهو مدحهم الله ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجراً عظيماً ، فمن نسبه أو واحداً من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة ، مبطل للقرآن طاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومتى ألحق واحد منهم تكذيباً فقد سب ، لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر بالله أعظم من الكذب ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب أصحابه ، فالمكذب لأصغرهم ، ولا صغير فيهم ، داخل في لعنة الله التي شهد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألزمها كل من سب واحداً من أصحابه أو طعن عليه ، وعن عمر بن حبيب قال : حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلنت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حى قال قائلون منهم : لا يقبل هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن أبا هريرة منهم فيما يرويه ، وصرحوا بتكذيبه ، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم فقلت أنا : الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، فنظر إلي الرشيد نظر مغضب ، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي ، فلم ألبث حتى قيل : صاحب البريد بالباب ، فدخل فقال لي : أجب أمير المؤمنين إجابة متقول ، وتحنط وتكفن ! فقلت : اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك ، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه ، فسلمني منه ، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب ، حاسر عن ذراعيه ، بيده السيف وبين يديه النطع ، فلما بصر بي قال لي : يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به ! فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الذي قلته وجادلت عنه فيه أزدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما جاء به ، إذا كان أصحابه كالذابين فالشريعة باطلة ، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول ! فرجع إلى نفسه ثم قال : أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله ، وأمر لي بعشرة آلاف درهم . قلت : فالصحابة كلهم عدول ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه ، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله ، هذا مذهب أهل السنة ، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة ، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم ، فيلزم البحث عن عدالتهم ، ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر فقال : إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك ، ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء ، فلا بد من البحث ، وهذا مردود فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم زكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى : " مغفرة وأجرا عظيما " وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخبارهم لهم بذلك ، وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم ، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد ، وكل مجتهد مصيب وسيأتي الكلام في تلك الأمور في سورة الحجرات مبينة إن شاء الله تعالى .
تفسير أبن كثير
يخبر تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب فقال "محمد رسول الله" وهذا مبتدأ وخبر وهو مشتمل على كل وصف جميل ثم ثنى بالثناء على أصحابه رضي الله عنهم فقال "والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" كما قال عز وجل "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار رحيما برا بالأخيار غضوبا عبوسا في وجه الكافر ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة" وقال النبي صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه: كلا الحديثين في الصحيح وقوله سبحانه وتعالى "تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا" وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب وهو الجنة المشتملة على فضل الله عز وجل وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول كما قال جل وعلا "ورضوان من الله أكبر" وقوله جل جلاله "سيماهم في وجوههم من أثر السجود" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما سيماهم في وجوههم يعني السمت الحسن وقال مجاهد وغير واحد يعني الخشوع والتواضع وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن منصور عن مجاهد "سيماهم في وجوههم من أثر السجود" قال الخشوع قلت ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه فقال ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون وقال السدي الصلاة تحسن وجوههم وقال بعض السلف من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقد أسنده ابن ماجة في سننه عن إسماعيل بن محمد الصالحي عن ثابت بن موسى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" والصحيح أنه موقوف وقال بعضهم إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس وقال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحه مع الله تعالى أصلح الله عز وجل ظاهره للناس كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا محمود بن محمد المروزي حدثنا حامد بن آدم المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عبيدالله العرزمي عن سلمة بن كهيل عن جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر" العرزمي متروك وقال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان" وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا زهير حدثنا قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" ورواه أبو داود عن عبدالله بن محمد النفيلي عن زهير به فالصحابة رضي الله عنهم خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم وقال مالك رضي الله عنه بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا "ذلك مثلهم في التوراة" ثم قال "ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه" أي فراخه "فآزره" أي شده "فاستغلظ" أي شب وطال "فاستوى على سوقه يعجب الزراع" أي فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع "ليغيظ بهم الكفار" ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم قال لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك والأحاديث في فضل الصحابة رضي الله عنهم والنهي عن التعرض بمساويهم كثيرة ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم ثم قال تبارك وتعالى "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم" من هذه لبيان الجنس "مغفرة" أي لذنوبهم "وأجرا عظيما" أي ثوابا جزيلا ورزقا كريما ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل قال مسلم في صحيحه حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" آخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة.
تفسير الجلالين
(محمد) ميتدأ (رسول الله) خبره (والذين معه) أصحابه من المؤمنين مبتدأ خبره (أشداء) غلاظ (على الكفار) لا يرحمونهم (رحماء بينهم) خبر ثان أي متعاطفون متوادون كالوالد مع الولد (تراهم) تبصرهم (ركعا سجدا) حالان (يبتغون) مستأنف يطلبون (فضلا من الله ورضوانا سيماهم) علاماتهم مبتدأ (في وجوههم) خبره وهو نور وبياض يعرفون به بالآخرة أنهم سجدوا في الدنيا (من أثر السجود) متعلق بما تعلق به الخبر أي كائنة وأعرب حالا من ضميره المنتقل إلى الخبر (ذلك) الوصف المذكور (مثلهم) صفتهم مبتدأ (في التوراة) خبره (ومثلهم في الإنجيل) مبتدأ خبره (كزرع أخرج شطأه) بسكون الطاء وفتحها فراخه (فآزره) بالمد والقصر وأعانه (فاستغلظ) غلظ (فاستوى) قوي واستقام (على سوقه) اصوله جمع ساق (يعجب الزراع) أي زراعه لحسنه مثل الصحابة رضي الله عنهم بذلك لأنهم بدأوا في قلة وضعف فكثروا وقووا على أحسن الوجوه (ليغيظ بهم الكفار) متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله أي شبهوا بذلك (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم) الصحابة ومن لبيان الجنس لا للتبعيض لأنهم كلهم بالصفة المذكورة (مغفرة وأجرا عظيما) الجنة وهما لمن بعدهم أيضا في آيات .
(منقول )...
قاطعوا الدنمارك ... جزاكم الله خيراً ... وسلمتم ...
أحبة خير خلق الله ... هكذا هو حبيبنا رسول الله ...
خلقه القرآن ...ورحمة للعالمين...
قال فيه وفي أحبابه أرحم الراحمين ...
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )
سورة الفتح ، الآية 29 . مدنية .
تفسير القرطبي
فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : " محمد رسول الله " ( محمد ) و( رسول ) خبره ، وقيل : ( محمد ) ابتداء و ( رسول الله ) نعته " والذين معه " عطف على المبتدأ والخبر فيما بعده ، فلا يوقف على هذا التقدير على ( رسول الله ) وعلى الأول يوقف على ( رسول الله ) لأن صفاته عليه السلام تزيد على ما وصف أصحابه ، فيكون ( محمد ) ابتداء و ( رسول الله ) الخبر ( والذين معه ) ابتداء ثان ، و( أشداء ) خبره و ( رحماء ) خبر ثان ، وكون الصفات في جملة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو الأشبه ، قال ابن عباس : أهل الحديبية أشداء على الكفار ، أي غلاظ عليهم كالأسد على فريسته ، وقيل : المراد بـ( الذين معه ) جميع المؤمنين " رحماء بينهم " أي يرحم بعضهم بعضاً ، وقيل متعاطفون متوادون ، وقرأ الحسن ، ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) بالنصب على الحال ، كأنه قال : والذين معه في حال شدتهم على الكفار وتراحمهم بينهم ، " ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا " إخبار عن كثرة صلاتهم ، " يبتغون فضلا من الله ورضوانا " أي يطلبون الجنة ورضا الله تعالى . الثانية : قوله تعالى : " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " السيما العلامة ، وفيها لغتان : المد والقصر ، لأي لاحت علامات التهجد بالليل وأمارات السهر ، وفي سنن ابن ماجة قال : حدثنا إسماعيل بن محمد الطلخي قال حدثنا ثابت بن موسى أبو يزيد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " ، وقال ابن العربي : ودسه قوم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الغلط ، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذكر بحرف ، وقد روى ابن وهب عن مالك ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) ذلك مما يتعلق بجباهم من الأرض عند السجود ، وبه قال سعيد بن جبير ، وفي الحديث الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى صبيحة إحدى وعشرين من رمضان وقد وكف المسجد وكان على عريش ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته وعلى جبهته وأرنبته أثر الماء والطين " ، وقال الحسن : هو بياض يكو في الوجه يوم القيامة ، وقاله سعيد بن جبير أيضاً ، ورواه العوفي عن ابن عباس ، قاله الزهري ، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ، فيه : " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلإ الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود " ، وقال شهر بن حوشب : يكون موضع السجود من وجههم كالقمر ليلة البدر ، وقال ابن عباس و مجاهد : السيما في الدنيا وهو السمت الحسن ، وعن مجاهد أيضاً ، هو الخشوع والتواضع قال منصور : سألت مجاهداً عن قوله تعالى : " سيماهم في وجوههم " أهو أثر يكون بين عيني الرجل ؟ قال لا ، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلباً من الحجارة ! ولكنه نور في وجوههم من الخشوع ، وقال ابن جريج : هو الوقار والبهاء ، وقال شمر بن عطية : هو صفرة الوجه من قيام الليل ،قال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى ، وقال الضحاك : أما إنه ليس بالندب في وجوههم ولكنه الصفرة ، وقال سفيان الثوري : يصلون بالليل فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم ، بيانه قوله صلى الله عليه وسلم : " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار "، وقد مضى القول فيه آنفاً ، وقال عطاء الخراساني : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس . الثالثة : قوله تعالى : " ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل " قال الفراء : فيه وجهان ، إن شئت قلت المعنى ذلك مثلهم في التوراة وفي الإنجيل أيضاً ، كمثلهم في القرآن ، فيكون الوقف على ( الإنجيل ) وإن شئت قلت : تمام الكلام ذلك مثلهم في التوراة ، ثم ابتدأ فقال : ومثلهم في الإنجيل ، وكذا قال ابن عباس وغيره : هما مثلان أحدهما في التوراة والآخر في الإنجيل ، فيوقف على هذا على ( التوراة ) وقال مجاهد : هو مثل واحد ، يعني أن هذه صفتهم في التوراة والإنجيل ، فلا يوقف على ( التوراة ) على هذا ، ويوقف على ( الإنجيل ) ويبتدئ " كزرع أخرج شطأه " على معنى وهم كرزع و ( شطأه ) يعني فراخه وأولاده ، قاله ابن زيد وغيره ، وقال مقاتل : هو نبت واحد ، فإذا خرج ما بعده فقد شطأه ، قال الجوهري : شطء الزرع والنبات فراخه ، والجمع أشطاء وقد أشطأ الزرع خرج شطؤه ، قال الأخفش في قوله ( أخرج شطأه ) أي طرفه ، وحكاه الثعلبي عن الكسائي ، وقال الفراء : أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا خرج ، قال الشاعر : أخرج الشطء على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر الزجاج : أخرج شطأه أي نباته ، وقيل : إن الشطء شوك السنبل ، والعرب أيضاً تسميه : السفا ، وهو شوك البهمي ، قاله قطرب ، وقيل : إنه السنبل ، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان ، قاله الفراء ، حكاه الماوردي ، وقرأ ابن كثير و ابن ذكوان ( شطأه ) بفتح الطاء ، وأسكن الباقون ، وقرأ أنس و نصر بن عاصم و ابن وثاب ( شطاه ) مثل عصاه ، وقرأ الجحدري و ابن أبي إسحاق ( شطه ) بغير همزة وكلها لغات فيها . وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء ضعيفاً فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره ، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه ، فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان ، وقال قتادة : مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، " فآزره " أي قواه وأعانه وشده ، أي قوى الشطء الزرع ، وقيل بالعكس ، أي قوى الزرع الشطء ، وقراءة العامة ( آزره ) بالمد ، وقرأ ابن ذكوان و أبو حيوة و حميد بن قيس ( فآزره ) مقصورة ، مثل فعله ، والمعروف المد قال امرؤ القيس : بمحنية قد آزر الضال نبتها مجر جيوش غانمين وخيب " فاستوى على سوقه " على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقاً له ، والسوق : جمع الساق : " يعجب الزراع " أي يعجب هذا الزرع زراعه ، وهو مثل كما بينا ، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم ، والشطء أصحابه ، كانوا قليلاً فكثروا ، وضعفاء فقووا ، قاله الضحاك وغيره " ليغيظ بهم الكفار " اللام متعلقه بمحذوف ، أي فعل الله هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار . الرابعة : قوله تعالى : " وعد الله الذين آمنوا " أي وعد الله هؤلاء الذين مع محمد ، وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة " منهم مغفرة وأجرا عظيما " أي ثواباً لا ينقطع وهو الجنة وليست ( من ) في قوله ( منهم ) مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم ، ولكنها عامة مجنسة ، مثل قوله تعالى : " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " [ الحج : 30 ] ، لا يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس ، أي فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان ، إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى ، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب ، فأدخل ( من ) يفيد بها الجنس وكذا ( منهم ) أي من هذا الجنس ، وقد يخصص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بوعد المغفرة تفضيلاً لهم ، وإن وعد الله جميع المؤمنين المغفرة ، وفي الآية جواب آخر ، وهو أن ( من ) مؤكدة للكلام ، والمعنى وعدهم الله كلهم مغفرة وأجراً عظيماً ، فجرى مجرى قول العربي : قطعت من الثوب قميصاً ، يريد قطعت الثوب كله قميصاً ، و ( من ) لم يبعض شيئاً وشاهد هذا من القرآن " وننزل من القرآن ما هو شفاء " [ الإسراء : 82 ] ، معناه وننزل القرآن شفاء ، لأن كل حرف منه يشفي وليس الشفاء مختصاً به بعضه دون بعض ، على أن من اللغويين من يقول : ( من ) مجنسة ، تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن ، ومن جهة القرآن ، ومن ناحية القرآن ، قال زهير : أمن أم أوفى دمنة لم تكلم أراد من ناحية أم أوفى دمنة ، أم من منازلها دمنة ، وقال الآخر : أخو رغائب يعطيها ويسألها يأبى الظلامة منه النوفل الزفر ( من ) لم تبعض شيئاً ، إذ كان المقصد يأبى الظلامة لأنه نوفل زفر ، والنوفل الكثير العطاء ، والزفر : حامل الأثقال والمؤمن عن الناس . الخامسة : روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير : كنا عند مالك بن أنس ، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأ مالك هذه الآية " محمد رسول الله والذين معه " حتى بلغ " يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار " ، فقال مالك : من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية ، ذكره الخطيب أبو بكر . قلت : لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله ، فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه ، في روايته قد رد على الله رب العالمين ، وأبطل شرائع المسلمين ، قال الله تعالى : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار " الآية ، وقال :" لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " [ الفتح : 18 ] ، إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم ، والشهادة لهم بالصدق والفلاح ، قال الله تعالى : " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " [ الأحزاب : 23 ] ، وقال " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا " إلى قوله : " أولئك هم الصادقون " [ الحشر : 8 ] ، ثم قال عز من قائل : " والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم " إلى قوله " فأولئك هم المفلحون " [ الحشر : 9 ] ، وهذا كله من علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم ، و" رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " ، وقال : " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه " ، خرجهما البخاري ، وفي حديث آخر : " فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه "، قال أبو عبيد : معناه لم يدرك مد أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد ، فالنصيف هو النصف هنا ، وكذلك يقال للعشر عشير ، وللخمس خميس ، وللتسع تسيع ، وللثمن ثمين ، وللسبع سبيع وللسدس سديس ، وللربع ربيع ولم تقل العرب للثلث ثليث ، وفي البزار عن جابر مرفوعاً صحيحاً : " إن الله أختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين وأختار لي من أصحابي أربعة يعني أبا بكر وعمر وعثمان فجعلهم أصحابي " ، وقال : " في أصحابي كلهم خير "، وروى عويم بن ساعدة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل اختارني واختار أصحابي فجعل لي منهم وزراء واختاناً وأصهاراً فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً " ، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة ، فحذار من الوقوع في أحد منهم ، كما فعل من طعن في الدين فقال : إن المعوذتين ليستا من القرآن ، وما صح حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر ، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها ، فروايته مطرحة ، وهذا رد لما ذكرناه من الكتاب والسنة ، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من الملة ، فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري و مسلم وغيرهما ، فهو مدحهم الله ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجراً عظيماً ، فمن نسبه أو واحداً من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة ، مبطل للقرآن طاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومتى ألحق واحد منهم تكذيباً فقد سب ، لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر بالله أعظم من الكذب ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب أصحابه ، فالمكذب لأصغرهم ، ولا صغير فيهم ، داخل في لعنة الله التي شهد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألزمها كل من سب واحداً من أصحابه أو طعن عليه ، وعن عمر بن حبيب قال : حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلنت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حى قال قائلون منهم : لا يقبل هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن أبا هريرة منهم فيما يرويه ، وصرحوا بتكذيبه ، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم فقلت أنا : الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، فنظر إلي الرشيد نظر مغضب ، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي ، فلم ألبث حتى قيل : صاحب البريد بالباب ، فدخل فقال لي : أجب أمير المؤمنين إجابة متقول ، وتحنط وتكفن ! فقلت : اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك ، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه ، فسلمني منه ، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب ، حاسر عن ذراعيه ، بيده السيف وبين يديه النطع ، فلما بصر بي قال لي : يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به ! فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الذي قلته وجادلت عنه فيه أزدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما جاء به ، إذا كان أصحابه كالذابين فالشريعة باطلة ، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول ! فرجع إلى نفسه ثم قال : أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله ، وأمر لي بعشرة آلاف درهم . قلت : فالصحابة كلهم عدول ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه ، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله ، هذا مذهب أهل السنة ، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة ، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم ، فيلزم البحث عن عدالتهم ، ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر فقال : إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك ، ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء ، فلا بد من البحث ، وهذا مردود فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم زكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى : " مغفرة وأجرا عظيما " وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخبارهم لهم بذلك ، وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم ، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد ، وكل مجتهد مصيب وسيأتي الكلام في تلك الأمور في سورة الحجرات مبينة إن شاء الله تعالى .
تفسير أبن كثير
يخبر تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب فقال "محمد رسول الله" وهذا مبتدأ وخبر وهو مشتمل على كل وصف جميل ثم ثنى بالثناء على أصحابه رضي الله عنهم فقال "والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" كما قال عز وجل "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار رحيما برا بالأخيار غضوبا عبوسا في وجه الكافر ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن كما قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة" وقال النبي صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه: كلا الحديثين في الصحيح وقوله سبحانه وتعالى "تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا" وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب وهو الجنة المشتملة على فضل الله عز وجل وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول كما قال جل وعلا "ورضوان من الله أكبر" وقوله جل جلاله "سيماهم في وجوههم من أثر السجود" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما سيماهم في وجوههم يعني السمت الحسن وقال مجاهد وغير واحد يعني الخشوع والتواضع وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن منصور عن مجاهد "سيماهم في وجوههم من أثر السجود" قال الخشوع قلت ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه فقال ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون وقال السدي الصلاة تحسن وجوههم وقال بعض السلف من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقد أسنده ابن ماجة في سننه عن إسماعيل بن محمد الصالحي عن ثابت بن موسى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" والصحيح أنه موقوف وقال بعضهم إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس وقال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحه مع الله تعالى أصلح الله عز وجل ظاهره للناس كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا محمود بن محمد المروزي حدثنا حامد بن آدم المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن محمد بن عبيدالله العرزمي عن سلمة بن كهيل عن جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر" العرزمي متروك وقال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان" وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا زهير حدثنا قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" ورواه أبو داود عن عبدالله بن محمد النفيلي عن زهير به فالصحابة رضي الله عنهم خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم وقال مالك رضي الله عنه بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام يقولون والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا "ذلك مثلهم في التوراة" ثم قال "ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه" أي فراخه "فآزره" أي شده "فاستغلظ" أي شب وطال "فاستوى على سوقه يعجب الزراع" أي فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع "ليغيظ بهم الكفار" ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم قال لأنهم يغيظونهم ومن غاظ الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك والأحاديث في فضل الصحابة رضي الله عنهم والنهي عن التعرض بمساويهم كثيرة ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم ثم قال تبارك وتعالى "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم" من هذه لبيان الجنس "مغفرة" أي لذنوبهم "وأجرا عظيما" أي ثوابا جزيلا ورزقا كريما ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل قال مسلم في صحيحه حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" آخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة.
تفسير الجلالين
(محمد) ميتدأ (رسول الله) خبره (والذين معه) أصحابه من المؤمنين مبتدأ خبره (أشداء) غلاظ (على الكفار) لا يرحمونهم (رحماء بينهم) خبر ثان أي متعاطفون متوادون كالوالد مع الولد (تراهم) تبصرهم (ركعا سجدا) حالان (يبتغون) مستأنف يطلبون (فضلا من الله ورضوانا سيماهم) علاماتهم مبتدأ (في وجوههم) خبره وهو نور وبياض يعرفون به بالآخرة أنهم سجدوا في الدنيا (من أثر السجود) متعلق بما تعلق به الخبر أي كائنة وأعرب حالا من ضميره المنتقل إلى الخبر (ذلك) الوصف المذكور (مثلهم) صفتهم مبتدأ (في التوراة) خبره (ومثلهم في الإنجيل) مبتدأ خبره (كزرع أخرج شطأه) بسكون الطاء وفتحها فراخه (فآزره) بالمد والقصر وأعانه (فاستغلظ) غلظ (فاستوى) قوي واستقام (على سوقه) اصوله جمع ساق (يعجب الزراع) أي زراعه لحسنه مثل الصحابة رضي الله عنهم بذلك لأنهم بدأوا في قلة وضعف فكثروا وقووا على أحسن الوجوه (ليغيظ بهم الكفار) متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله أي شبهوا بذلك (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم) الصحابة ومن لبيان الجنس لا للتبعيض لأنهم كلهم بالصفة المذكورة (مغفرة وأجرا عظيما) الجنة وهما لمن بعدهم أيضا في آيات .
(منقول )...
قاطعوا الدنمارك ... جزاكم الله خيراً ... وسلمتم ...