الصادق بن حمد
03-02-2006, 12:47 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبر كاته
أخوتي أخواتي
أحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه
وسائر المسلمين في كل وقتٍ وحين ...
هكذا هو حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم ...
قال فيه الله جل جلاله :
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ *)
سورة الشرح ، الآيات 1 : 8 . مكية
تفسير القرطبي
(1) مكية في قول الجميع وهي ثماني آيات قوله تعالى:" ألم نشرح لك صدرك" شرح الصدر: فتحه، أي ألم نفتح صدرك للإسلام. و روى أبو صالح عن ابن عباس قال: ألم نلين لك قلبك . وروى الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله ، أينشرح الصدر؟ قال:(نعم وينفسح). قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ قال: (نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت، قبل نزول الموت). وقد مضى هذا المعنى في (الزمر) عند قوله تعالى: " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" [الزمر:22]. وروي عن الحسن قال: "ألم نشرح لك صدرك" قال: ملئ حكماً وعلماً. وفي الصحيح عن أنس بن مالك: " عن مالك بن صعصعة - رجل من قومه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة فأتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا) " قال قتادة قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، " قال:(فاستخرج قلبي، فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيماناً وحكمة) " . وفي الحديث قصة. "روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(جاءني ملكان في صورة طائر، معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر بمنقاره فيه فغسله). " وفي الحديث آخر قال: " جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة، وقال: قلبك وكيع، وعيناك بصيرتان، وأذناك سميعتان، أنت محمد رسول الله، لسانك صادق، ونفسك مطمئنة، وخلقك قثم، وأنت قيم) " . قال أهل اللغة: قوله:(وكيع أي يحفظ ما يوضع فيه. يقال: سقاء وكيع، أي قوي يحفظ ما يوضع فيه. واستوكعت معدته، أي قويت. وقوله(قثم )أي جامع. يقال: رجل قثوم للخير، أي جامع له. ومعنى (ألم نشرح)قد شرحنا، الدليل على ذلك قوله في النسق عليه: " ووضعنا عنك وزرك"، فهذا عطف على التأويل، لا على التنزيل، لأنه لو كان على التنزيل لقال: ونضع عنك وزرك. فدل هذا على أن معنى (ألم نشرح): قد شرحنا. و(لم )جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى:" أليس الله بأحكم الحاكمين " [ الزمر:36]. ومثله قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح المعنى: أنتم كذا.
(2)
قوله تعالى:" ووضعنا عنك وزرك "، أي حططنا عنك ذنبك. وقرأ أنس (وحللنا، وحططنا). قرأ ابن مسعود: ( وحللنا عنك وقرك). هذه الآية مثل قوله تعالى:" ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر"[الفتح:2]. قيل : الجميع كان قبل النبوة. والوزر: الذنب، أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه كان النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً و لاوثناً. قال قتادة والحسن الضحاك : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب أثقلته، فغفرها الله له.
(3)
قوله تعالى:" الذي أنقض ظهرك" أي أثقله حتى سمع نقيضه، أي صوته. وأهل اللغة يقولون: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل. وكذلك سمعت نقيض الرحل، أي صريره. قال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله وهمت بواني زوره أن تحطما (بواني زوره)أي أصول صدره. فالوزر: الحمل الثقيل. قال المحاسبي : يعني ثقل الوزر لو لم يعف الله عنه" الذي أنقض ظهرك" أي أثقله وأوهته. قال: وإنما وصفت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل، مع كونها مغفورة، لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها. وقال السدي: (ووضعنا عنك وزرك) أي وحططنا عنك ثقلك. وهي في قراءة عبد الله بن مسعود(وحططنا عنك وقرك). وقيل أي حططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. قال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك، أضافها إليه لاشتغال قلبه بها. وقال عبدالعزيز بن يحي وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بها، حتى تثقل عليك. وقيل، كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل وأراه نفسه، وأزيل عنه ما كان يخف من تغير العقل. وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس.
(4)
قوله تعالى:" ورفعنا لك ذكرك" قال مجاهد: يعني بالتأذين. وفيه يقول حسان بن ثابت: أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وروي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: يقول له لا ذكرت إلا دكرت معي في الأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله جل ثناؤه، وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمد رسول الله، لم ينتفع بشيء وكان كافراً. وقيل: أي أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات.
(5)
قوله تعالى:" فإن مع العسر يسرا" أي إن مع الضيقة والشدة يسراً، أي سعة وغنى. ثم كرر فقال:"إن مع العسر يسرا" .
(6)
ثم كرر فقال:" إن مع العسر يسرا"، فقال قوم: هذا التكرير تأكيد للكلام، كما يقال: ارم ارم، اعجل اعجل قال الله تعالى:" كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون" [التكاثر :3-4] ونظيره في تكرار الجواب: بلى بلى، لا،لا. وذلك للإطناب والمبالغة، قاله الفراء. ومنه قول الشاعر: هممت بنفسي بعض الهموم فأولى لنفسي أولى لها وقال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسماً ثم كرروه، فهو هو. وإذا نكروه فهو غيره. وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر، قاله ثعلب. وقال ابن عباس: يقول الله تعالى خلقت عسراً واحداً، وخلقت يسرين، ولن يغلب عسر يسرين. وجاء في الحديث " عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أنه قال: (لن يغلب عسر يسرين) " . وقال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ولن يغلب عسر يسرين. وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر رضي الله عنهما: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل الله بعده فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " [آل عمران:200]. وقال قوم منهم الجرجاني: هذا قول مدخول، لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفاً، إن مع الفارس سيفاً، أن يكون الفارس واحداً والسيف اثنان. والصحيح أن يقال : إن الله بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم مقلاً مخفاً، فعيره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره، فعزاه الله، وعدد نعمه عليه، ووعده الغنى بقوله:(فإن مع العسر يسرا) أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر، فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلاً، أي في الدنيا. فأنجز له ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن، ووسع ذات يده، حتى كان يعطى الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. فهذا الفضل كله من أمر الدنيا، وإن كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى. ثم ابتدأ فضلاً آخراً من الآخرة وفيه تأسيسهوتعزية له صلى الله عليه وسلم، فقال مبتدئاً:" إن مع العسر يسرا" فهو شيء آخر. والدليل على ابتدائه، تعرية من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف. فهذا وعد لجميع المؤمنين، لايخرج أحد منه، أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة. وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة والذي في الخبر:" (لن يغلب عسر يسرين)" يعني العسر الواحد لن يغلبهما، وإنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا، فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة، ولن يغلبه شيء. أو يقال: (إن مع العسر) وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة (يسرا)، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل، مع عز وشرف.
(7)
قوله تعالى:" فإذا فرغت" قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من صلاتك "فانصب" أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وقال الكلبي : إذا فرغت من تبليغ الرسالة (فانصب)أي استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وقال الحسن وقتادة أيضاً: إذا فرغت من جهاد عدوك، فانصب لعبادة ربك. وعن مجاهد: (فإذا فرغت) من دنياك، (فانصب) في صلاتك. ونحوه عن الحسن. وقال الجنيد: إذا فرغت من أمر الخلق، فاجتهد في عبادة الحق. قال ابن العربي: (ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية (فانصب)بكسر الصاد، والهمز من أوله، وقالوا: معناه أنصب الإمام الذي تستخلفه. وهذا باطل في القراءة، باطل في المعنى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحداً. وقرأها بعض: الجهال (فانصب) بتشديد الباء، معناه: إذا فرغت من الجهاد، فجد في الرجوع إلى بلدك. وهذا باطل أيضاً قراءة، لمحافظة الإجماع، لكن معناه صحيح، لقوله صلى الله عليه وسلم: "(السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته، فليعجل الرجوع إلى أهله)". وأشد الناس عذاباً وأسوأهم مباس ومآبا، من أخذ معنى صحيحاً، فركب عليه من قبل نفسه قراءة أو حديثاً، فيكون كاذباً على الله، كاذباً على رسوله، ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً.
(8)
قال المهدوي : وروي عن أبي جعفر المنصور: أنه قرأ: (ألم نشرح لك صدرك) بفتح الحاء، وهو بعيد، وقد يؤول على تقدير النون الخفيفة، ثم أبدلت النون ألفاً في الوقف، ثم حمل الوصل على الوقف، ثم حذف الألف. وأنشد عليه: اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسوط قونس الفرس أراد: اضربن. وروي عن أبي السمال(فإذا فرغت) بكسر الراء، وهي لغة فيه. وقرئ (فرغب) أي فرغب الناس إلى ما عنده. الثانية: قال ابن العربي :" (روي عن شريح أنه مر بقوم يلعبون يوم عيد، فقال ما بهذا أمر الشارع. وفيه نظر، فإن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد يوم العيد، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر. ودخل أبو بكر في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: (دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد). " وليس يلزم الدءوب على العمل، بل هو مكروه للخلق).
تفسير أبن كثير
(1) يقول تعالى "ألم نشرح لك صدرك" يعني أما شرحنا لك صدرك أي نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا كقوله "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. وقيل المراد بقوله "ألم نشرح لك صدرك" شرح صدره ليلة الإسراء كما تقدم من رواية مالك بن صعصعه وقد أورده الترمذي ههنا وهذا إن كان واقعا ليلة الإسراء كما رواه مالك بن صعصعة ولكن لا منافاة فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا فالله أعلم. قال عبدالله بن الإمام أحمد حدثني محمد بن عبدالرحيم أبو يحيى الفزاز حدثنا يونس بن محمد حدثنا معاذ ابن محمد بن أبي بن كعب حدثني أبو محمد بن معاذ عن محمد عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وقال "لقد سألت يا أبا هريرة إني في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط وأرواح لم أجدها من خلق قط وثياب لم أرها على أحد قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسا فقال أحدهما لصاحبه أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر فقال أحدهما لصاحبه افلق صدره فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فقال له أخرج الغل والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال أعد واسلم فرجعت بها أعدو رقة على الصغير ورحمة للكبير".
(2)
بمعنى "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر".
(3)
الإنقاض الصوت وقال غير واحد من السلف في قوله "الذي أنقض ظهرك" أي أثقلك حمله.
(4)
قال مجاهد لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وقال قتادة رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن جرير حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "أتاني جبريل فقال إن ربي وربك يقول كيف رفعت ذكرك؟ قال الله أعلم قال إذا ذكرت ذكرت معي" وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس عن عبد الأعلى به ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج وقال ابن أبي حاتم حدثنا زرعة حدثنا أبو عمر الحوضي حدثنا حماد بن زيد حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سألت ربي مسألة وددت أنى لم أسأله قلت قد كان قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من يحيى الموتى قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت بلى يا رب" وقال أبو نعيم في دلائل النبوة حدثنا أبو أحمد الغطريفي حدثنا موسى بن سهل الجويني حدثنا أحمد بن القاسم بن بهزان الهيتي حدثنا نصر بن حماد عن عثمان بن عطاء عن الزهري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما فرغت مما أمرني به من أمر السموات والأرض قلت يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته جعلت إبراهيم خليلا وموسى كليما وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي؟ قال أو ليس قد أعطيتك ظاهر أفضل من ذلك كله؟ إني لا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة وأعطيتك كنزا من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعني ذكره فيه وأورد من شعر حسان بن ثابت. أغر عليه للنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين ونوه به حين أخذ ميثاق على النبيين أن يؤمنوا به وأن يأمروا أممهم بالإيمان به ثم شهر ذكره فى أمته فلا يذكر الله إلا ذكر معه وما أحسن ما قال الصرصري رحمه الله: لا يصح الأذان في الفرض إلا باسمه العذب في الفم المرصي وقال أيضا: ألم تر أنا لا يصح أذاننا ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما.
(5)
وقوله تعالى "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر ثم أكد هذا الخبر. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمود بن غيلان حدثنا حميد بن حماد بن أبي خوار أبو الجهم حدثنا عائذ بن شريح قال سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله حجر فقال " لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه" فأنزل الله عز وجل "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر عن حميد بن حماد به ولفظه "لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يخرجه ثم قال "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" ثم قال البزار لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح "قلت" وقد قال فيه أبو حاتم الرازي فى حديثه ضعف ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبدالله بن مسعود موقوفا وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو قطن حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. وقال ابن جرير حدثنا ابن عبدالأعلى حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول "لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر يسرين "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد عن الحسن مرسلا وقال سعيد عن قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية. فقال "لن يغلب عسر يسرين" ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين فهو مفرد واليسر منكر فتعدد ولهذا قال "لن يغلب عسر يسرين" يعني قوله "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد. وقال الحسن بن سفيان حدثنا يزيد بن صالح حدثنا خارجة عن عباد بن كثير عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أنزل المعونة من السماء على قدر المؤنة ونزل الصبر عل قدر المصيبة" ومما يروى عن الشافعي أنه قال: صبرا جميلا ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا من صدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجا وقال ابن دريد أنشدني أبو حاتم السجستاني: إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطأت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب وقال آخر ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج.
(7)
وقوله تعالى "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب" أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" وقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء" قال مجاهد في هذه الآية إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك وفي رواية عنه إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك وعن ابن مسعود إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وعن ابن عياض نحوه وفي رواية عن ابن مسعود "فانصب وإلى ربك فارغب" بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فإذا فرغت فانصب يعني في الدعاء وقال زيد بن أسلم والضحاك "فإذا فرغت" أي من الجهاد "فانصب" أي في العبادة.
(8)
قال الثوري اجعل نيتك ورغبتك إلى الله عز وجل. آخر تفسير سورة ألم نشرح ولله الحمد والمنة.
تفسير الجلالين
(1)- (ألم نشرح) استفهام تقرير أي شرحنا (لك) يا محمد (صدرك) بالنبوة وغيرها .
(2) (ووضعنا) حططنا (عنك وزرك)
(3) (الذي أنقض) أثقل (ظهرك) وهكذا كقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك .
(4) (ورفعنا لك ذكرك) بأن تذكر مع ذكري في الأذان والإقامة والتشهد والخطبة وغيرها .
(5) (فإن مع العسر) الشدة (يسرا) سهولة .
(6) (إن مع العسر يسرا) والنبي صلى الله عليه وسلم قاسى من الكفار شدة ثم حصل له اليسر بنصره عليهم .
(7) (فإذا فرغت) من الصلاة (فانصب) اتعب في الدعاء .
(8) (وإلى ربك فارغب) تضرع .
(منقول )
قاطعوا
كما قاطعتم الدنمارك ...
النرويج .... وفرنسا ... والسويد ...
جزاكم الله خيراً ...
وسلمتم ...
أخوتي أخواتي
أحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه
وسائر المسلمين في كل وقتٍ وحين ...
هكذا هو حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم ...
قال فيه الله جل جلاله :
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ *)
سورة الشرح ، الآيات 1 : 8 . مكية
تفسير القرطبي
(1) مكية في قول الجميع وهي ثماني آيات قوله تعالى:" ألم نشرح لك صدرك" شرح الصدر: فتحه، أي ألم نفتح صدرك للإسلام. و روى أبو صالح عن ابن عباس قال: ألم نلين لك قلبك . وروى الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله ، أينشرح الصدر؟ قال:(نعم وينفسح). قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ قال: (نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت، قبل نزول الموت). وقد مضى هذا المعنى في (الزمر) عند قوله تعالى: " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" [الزمر:22]. وروي عن الحسن قال: "ألم نشرح لك صدرك" قال: ملئ حكماً وعلماً. وفي الصحيح عن أنس بن مالك: " عن مالك بن صعصعة - رجل من قومه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة فأتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا) " قال قتادة قلت: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، " قال:(فاستخرج قلبي، فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيماناً وحكمة) " . وفي الحديث قصة. "روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(جاءني ملكان في صورة طائر، معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر بمنقاره فيه فغسله). " وفي الحديث آخر قال: " جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة، وقال: قلبك وكيع، وعيناك بصيرتان، وأذناك سميعتان، أنت محمد رسول الله، لسانك صادق، ونفسك مطمئنة، وخلقك قثم، وأنت قيم) " . قال أهل اللغة: قوله:(وكيع أي يحفظ ما يوضع فيه. يقال: سقاء وكيع، أي قوي يحفظ ما يوضع فيه. واستوكعت معدته، أي قويت. وقوله(قثم )أي جامع. يقال: رجل قثوم للخير، أي جامع له. ومعنى (ألم نشرح)قد شرحنا، الدليل على ذلك قوله في النسق عليه: " ووضعنا عنك وزرك"، فهذا عطف على التأويل، لا على التنزيل، لأنه لو كان على التنزيل لقال: ونضع عنك وزرك. فدل هذا على أن معنى (ألم نشرح): قد شرحنا. و(لم )جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى:" أليس الله بأحكم الحاكمين " [ الزمر:36]. ومثله قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح المعنى: أنتم كذا.
(2)
قوله تعالى:" ووضعنا عنك وزرك "، أي حططنا عنك ذنبك. وقرأ أنس (وحللنا، وحططنا). قرأ ابن مسعود: ( وحللنا عنك وقرك). هذه الآية مثل قوله تعالى:" ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر"[الفتح:2]. قيل : الجميع كان قبل النبوة. والوزر: الذنب، أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه كان النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً و لاوثناً. قال قتادة والحسن الضحاك : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب أثقلته، فغفرها الله له.
(3)
قوله تعالى:" الذي أنقض ظهرك" أي أثقله حتى سمع نقيضه، أي صوته. وأهل اللغة يقولون: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل. وكذلك سمعت نقيض الرحل، أي صريره. قال جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله وهمت بواني زوره أن تحطما (بواني زوره)أي أصول صدره. فالوزر: الحمل الثقيل. قال المحاسبي : يعني ثقل الوزر لو لم يعف الله عنه" الذي أنقض ظهرك" أي أثقله وأوهته. قال: وإنما وصفت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل، مع كونها مغفورة، لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها. وقال السدي: (ووضعنا عنك وزرك) أي وحططنا عنك ثقلك. وهي في قراءة عبد الله بن مسعود(وحططنا عنك وقرك). وقيل أي حططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. قال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك، أضافها إليه لاشتغال قلبه بها. وقال عبدالعزيز بن يحي وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بها، حتى تثقل عليك. وقيل، كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل وأراه نفسه، وأزيل عنه ما كان يخف من تغير العقل. وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس.
(4)
قوله تعالى:" ورفعنا لك ذكرك" قال مجاهد: يعني بالتأذين. وفيه يقول حسان بن ثابت: أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وروي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: يقول له لا ذكرت إلا دكرت معي في الأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله جل ثناؤه، وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمد رسول الله، لم ينتفع بشيء وكان كافراً. وقيل: أي أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات.
(5)
قوله تعالى:" فإن مع العسر يسرا" أي إن مع الضيقة والشدة يسراً، أي سعة وغنى. ثم كرر فقال:"إن مع العسر يسرا" .
(6)
ثم كرر فقال:" إن مع العسر يسرا"، فقال قوم: هذا التكرير تأكيد للكلام، كما يقال: ارم ارم، اعجل اعجل قال الله تعالى:" كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون" [التكاثر :3-4] ونظيره في تكرار الجواب: بلى بلى، لا،لا. وذلك للإطناب والمبالغة، قاله الفراء. ومنه قول الشاعر: هممت بنفسي بعض الهموم فأولى لنفسي أولى لها وقال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسماً ثم كرروه، فهو هو. وإذا نكروه فهو غيره. وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر، قاله ثعلب. وقال ابن عباس: يقول الله تعالى خلقت عسراً واحداً، وخلقت يسرين، ولن يغلب عسر يسرين. وجاء في الحديث " عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أنه قال: (لن يغلب عسر يسرين) " . وقال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ولن يغلب عسر يسرين. وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر رضي الله عنهما: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل الله بعده فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " [آل عمران:200]. وقال قوم منهم الجرجاني: هذا قول مدخول، لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفاً، إن مع الفارس سيفاً، أن يكون الفارس واحداً والسيف اثنان. والصحيح أن يقال : إن الله بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم مقلاً مخفاً، فعيره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره، فعزاه الله، وعدد نعمه عليه، ووعده الغنى بقوله:(فإن مع العسر يسرا) أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر، فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلاً، أي في الدنيا. فأنجز له ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن، ووسع ذات يده، حتى كان يعطى الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. فهذا الفضل كله من أمر الدنيا، وإن كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى. ثم ابتدأ فضلاً آخراً من الآخرة وفيه تأسيسهوتعزية له صلى الله عليه وسلم، فقال مبتدئاً:" إن مع العسر يسرا" فهو شيء آخر. والدليل على ابتدائه، تعرية من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف. فهذا وعد لجميع المؤمنين، لايخرج أحد منه، أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة. وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة والذي في الخبر:" (لن يغلب عسر يسرين)" يعني العسر الواحد لن يغلبهما، وإنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا، فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة، ولن يغلبه شيء. أو يقال: (إن مع العسر) وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة (يسرا)، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل، مع عز وشرف.
(7)
قوله تعالى:" فإذا فرغت" قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من صلاتك "فانصب" أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وقال الكلبي : إذا فرغت من تبليغ الرسالة (فانصب)أي استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وقال الحسن وقتادة أيضاً: إذا فرغت من جهاد عدوك، فانصب لعبادة ربك. وعن مجاهد: (فإذا فرغت) من دنياك، (فانصب) في صلاتك. ونحوه عن الحسن. وقال الجنيد: إذا فرغت من أمر الخلق، فاجتهد في عبادة الحق. قال ابن العربي: (ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية (فانصب)بكسر الصاد، والهمز من أوله، وقالوا: معناه أنصب الإمام الذي تستخلفه. وهذا باطل في القراءة، باطل في المعنى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحداً. وقرأها بعض: الجهال (فانصب) بتشديد الباء، معناه: إذا فرغت من الجهاد، فجد في الرجوع إلى بلدك. وهذا باطل أيضاً قراءة، لمحافظة الإجماع، لكن معناه صحيح، لقوله صلى الله عليه وسلم: "(السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته، فليعجل الرجوع إلى أهله)". وأشد الناس عذاباً وأسوأهم مباس ومآبا، من أخذ معنى صحيحاً، فركب عليه من قبل نفسه قراءة أو حديثاً، فيكون كاذباً على الله، كاذباً على رسوله، ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً.
(8)
قال المهدوي : وروي عن أبي جعفر المنصور: أنه قرأ: (ألم نشرح لك صدرك) بفتح الحاء، وهو بعيد، وقد يؤول على تقدير النون الخفيفة، ثم أبدلت النون ألفاً في الوقف، ثم حمل الوصل على الوقف، ثم حذف الألف. وأنشد عليه: اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسوط قونس الفرس أراد: اضربن. وروي عن أبي السمال(فإذا فرغت) بكسر الراء، وهي لغة فيه. وقرئ (فرغب) أي فرغب الناس إلى ما عنده. الثانية: قال ابن العربي :" (روي عن شريح أنه مر بقوم يلعبون يوم عيد، فقال ما بهذا أمر الشارع. وفيه نظر، فإن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد يوم العيد، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر. ودخل أبو بكر في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: (دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد). " وليس يلزم الدءوب على العمل، بل هو مكروه للخلق).
تفسير أبن كثير
(1) يقول تعالى "ألم نشرح لك صدرك" يعني أما شرحنا لك صدرك أي نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا كقوله "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. وقيل المراد بقوله "ألم نشرح لك صدرك" شرح صدره ليلة الإسراء كما تقدم من رواية مالك بن صعصعه وقد أورده الترمذي ههنا وهذا إن كان واقعا ليلة الإسراء كما رواه مالك بن صعصعة ولكن لا منافاة فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا فالله أعلم. قال عبدالله بن الإمام أحمد حدثني محمد بن عبدالرحيم أبو يحيى الفزاز حدثنا يونس بن محمد حدثنا معاذ ابن محمد بن أبي بن كعب حدثني أبو محمد بن معاذ عن محمد عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وقال "لقد سألت يا أبا هريرة إني في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط وأرواح لم أجدها من خلق قط وثياب لم أرها على أحد قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسا فقال أحدهما لصاحبه أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر فقال أحدهما لصاحبه افلق صدره فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فقال له أخرج الغل والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال أعد واسلم فرجعت بها أعدو رقة على الصغير ورحمة للكبير".
(2)
بمعنى "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر".
(3)
الإنقاض الصوت وقال غير واحد من السلف في قوله "الذي أنقض ظهرك" أي أثقلك حمله.
(4)
قال مجاهد لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وقال قتادة رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن جرير حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "أتاني جبريل فقال إن ربي وربك يقول كيف رفعت ذكرك؟ قال الله أعلم قال إذا ذكرت ذكرت معي" وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس عن عبد الأعلى به ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج وقال ابن أبي حاتم حدثنا زرعة حدثنا أبو عمر الحوضي حدثنا حماد بن زيد حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سألت ربي مسألة وددت أنى لم أسأله قلت قد كان قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من يحيى الموتى قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت بلى يا رب" وقال أبو نعيم في دلائل النبوة حدثنا أبو أحمد الغطريفي حدثنا موسى بن سهل الجويني حدثنا أحمد بن القاسم بن بهزان الهيتي حدثنا نصر بن حماد عن عثمان بن عطاء عن الزهري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما فرغت مما أمرني به من أمر السموات والأرض قلت يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته جعلت إبراهيم خليلا وموسى كليما وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي؟ قال أو ليس قد أعطيتك ظاهر أفضل من ذلك كله؟ إني لا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة وأعطيتك كنزا من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعني ذكره فيه وأورد من شعر حسان بن ثابت. أغر عليه للنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين ونوه به حين أخذ ميثاق على النبيين أن يؤمنوا به وأن يأمروا أممهم بالإيمان به ثم شهر ذكره فى أمته فلا يذكر الله إلا ذكر معه وما أحسن ما قال الصرصري رحمه الله: لا يصح الأذان في الفرض إلا باسمه العذب في الفم المرصي وقال أيضا: ألم تر أنا لا يصح أذاننا ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما.
(5)
وقوله تعالى "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر ثم أكد هذا الخبر. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمود بن غيلان حدثنا حميد بن حماد بن أبي خوار أبو الجهم حدثنا عائذ بن شريح قال سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله حجر فقال " لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه" فأنزل الله عز وجل "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر عن حميد بن حماد به ولفظه "لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يخرجه ثم قال "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" ثم قال البزار لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح "قلت" وقد قال فيه أبو حاتم الرازي فى حديثه ضعف ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبدالله بن مسعود موقوفا وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو قطن حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. وقال ابن جرير حدثنا ابن عبدالأعلى حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول "لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر يسرين "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد عن الحسن مرسلا وقال سعيد عن قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية. فقال "لن يغلب عسر يسرين" ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين فهو مفرد واليسر منكر فتعدد ولهذا قال "لن يغلب عسر يسرين" يعني قوله "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد. وقال الحسن بن سفيان حدثنا يزيد بن صالح حدثنا خارجة عن عباد بن كثير عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أنزل المعونة من السماء على قدر المؤنة ونزل الصبر عل قدر المصيبة" ومما يروى عن الشافعي أنه قال: صبرا جميلا ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا من صدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجا وقال ابن دريد أنشدني أبو حاتم السجستاني: إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطأت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب وقال آخر ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج.
(7)
وقوله تعالى "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب" أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان" وقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء" قال مجاهد في هذه الآية إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك وفي رواية عنه إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك وعن ابن مسعود إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وعن ابن عياض نحوه وفي رواية عن ابن مسعود "فانصب وإلى ربك فارغب" بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فإذا فرغت فانصب يعني في الدعاء وقال زيد بن أسلم والضحاك "فإذا فرغت" أي من الجهاد "فانصب" أي في العبادة.
(8)
قال الثوري اجعل نيتك ورغبتك إلى الله عز وجل. آخر تفسير سورة ألم نشرح ولله الحمد والمنة.
تفسير الجلالين
(1)- (ألم نشرح) استفهام تقرير أي شرحنا (لك) يا محمد (صدرك) بالنبوة وغيرها .
(2) (ووضعنا) حططنا (عنك وزرك)
(3) (الذي أنقض) أثقل (ظهرك) وهكذا كقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك .
(4) (ورفعنا لك ذكرك) بأن تذكر مع ذكري في الأذان والإقامة والتشهد والخطبة وغيرها .
(5) (فإن مع العسر) الشدة (يسرا) سهولة .
(6) (إن مع العسر يسرا) والنبي صلى الله عليه وسلم قاسى من الكفار شدة ثم حصل له اليسر بنصره عليهم .
(7) (فإذا فرغت) من الصلاة (فانصب) اتعب في الدعاء .
(8) (وإلى ربك فارغب) تضرع .
(منقول )
قاطعوا
كما قاطعتم الدنمارك ...
النرويج .... وفرنسا ... والسويد ...
جزاكم الله خيراً ...
وسلمتم ...