محمد الفلسطيني
01-05-2007, 06:40 PM
وُلد نابليون في 15 أغسطس عام 1769 م لعائلة متواضعة في جزيرة
كورسيكا التي أصبحت جزءا من فرنسا بالكاد ستة أشهر قبل مولده.
شكله:
لقد كان بشكل عام قصيراً بشكل مفرط إذ لا يزيد طوله عن خمسة أقدام وست بوصات، أما روح القيادة فتتجلى
في عينيه، فالكاردينال كابرارا Caprara الذي أتى للتفاوض بشأن الاتفاق البابوي (الكونكوردات)
وضع على عينيه عدستين خضراوتين كبيرتين ليخفِّف بهما وهج عيني نابليون وحملقته· والجنرال
فاندام Vandamme يعترف بخوفه من أثر عيني نابليون الشبيه بأثر التنويم المغناطيسي·
يقول هذا الشيطان الآدمي يمارس معي سحراً يجعلني غير قادر على التعبير عمّا في نفس، وهو
يستطيع أن يجعلني أمرق من سَمِّ الخياط (من ثقب الإبرة) لألقي نفسي في النار وكانت بشرة
الإمبراطور شاحبة، إلاّ أنها - على أية حال - كانت تتألق بسبب حركات عضلات وجهه
التي تعكس - إن أراد - أي خلجة من مشاعره أو فكرة من أفكاره· وكان رأس نابليون كبيراً بالنسبة لجسمه،
لكنه كان ذا تكوين حسن، وكانت كتفاه عريضتين، وصدره بارزاً يَنُم عن بنية قوية· وكان لباسه بسيطا تاركاً
أبهة الملبس لمارشالاته، ولم يكن في قبعته المعقدة التكوين والمنتشرة كالكعكة المطوية أية زينات خلا
الشريط المثلث الألوان· وعادة ما كان يلبس معطفاً رمادياً فوق الزي الرسمي لكولونيل من حراسه·
وكان يحمل صندوق نشوق يضعه في حزامه (النطاق الذي يلفّه حول وسطه) ويستعمل ما به من نشوق
(سعوط) بين الحين والآخر، وكان يفضّل ارتداء البنطلون القصير (الشورت) والجوارب الحريرية الطويلة
على البنطلون الطويل· ولم يتحلّ أبداً بالجواهر، لكن حذاءه كان محفوفاً بالحرير وإبزيم من ذهب·
لقد كان في ملبسه ينتمي إلى ما كان سائداً أثناء حكم ما قبل الثورة، تماماً كما جنحت فلسفته
السياسية الاخيرة إلى المنحى نفسه (منحى ما كان سائداً قبل الثورة)·
لقد كان نابليون منظماً دقيقاً إلى درجة الوسوسة وكان يحب كثيراً الاستحمام بالماء
الدافئ وأحياناً كانت تستغرق فترة استحمامه ساعتين، وربما كان يجدُ في
هذا راحة له من التوتر العصبي وآلام العضلات،
شخصيته :
لقد بدأ كبرياؤه أو اعتداده بنفسه من اكتفائه بذاته أو بتعبير آخر باعتماده على نفسه ، كان من الطبيعي
أن يرتبط هذا بكل اعضائه، ففي شبابه تضخّم هذا الشعور متخذاً شكلاً دفاعياً أثناء الصدامات التي جرت
بينه وبين أفرادٍ أو أسرات في كورسيكا، وبعد ذلك تجلّى ضد عجرفة طلبة برين Brienne
الذين كانوا يتكبّرون عليه بحكم انتماءاتهم الطبقية أو العرقية· ولم يكن اعتداده بنفسه على
أية حال خالياً من الأنانية، لكن هذا لم يمنع اخلاصه وتكريمه لأمه ولجوزفين وأبنائها
ولم يمنع حبه لابنه من ماري لويز ذلك الوليد الذي أطلق عليه اسم ملك
روما وحبّه الشديد لإخوته وأخواته الذي كانوا أيضاً ذوي نفوس تواقة·
لكن كلما اتَّسعت دائرة نجاحاته في السلطة والمسؤوليات، ازداد اعتزازه بنفسه واستغرقته ذاته، وبدأ يميل لنسبة
كل انتصارات جيوشه لنفسه، لكنه مع هذا كان يمتدح ديزيه Desaix ولان Lannes، وقد أحبهما حقاً
وحزن من أجلهما· وأخيراً فقد اعتبر نفسه هو فرنسا ذاتها وتضخّمت ذاته مع كل اتساع لحدودها·
لقد تابع تحقيق أهدافه بإرادة لا تلين إلاّ لتقفز من جديد حتى استنفذ طاقاته في بلوغ الذروة وأصبح بعدها جديراً
بالشفقة· لقد توحّد طموحه الذي لا يهمد مع إرادته وتوجهاته ليتفاعل مع جوهر أيامه، ففي برين Brienne
قال: حتى عندما لم يكن أمامي شيء محدد لأقوم به، فإنني كنت أشعر دائماً أنني لا يجب
أن أضيع الوقت وإلى جيروم Jerome في سنته 1805م وجه حديثه قائلا: إنني لا أدين
إلاّ لقوة الإرادة والشخصية والقدرة على التنفيذ والجسارة فالجرأة كانت جزءاً من استراتيجيته،
وكان يستغل عامل الوقت فكان يواجه عدوه بسرعة إجراءاته، وأفعاله الحاسمة في وقت
لا يتوقَّعونه وفي مكان لا يتصوَّرون حدوث المواجهة فيه· لقد كان يقول: إن هدفي هو الوصول
للهدف مباشرة دون أن أسمح لأي اعتبار أن يوقفني، لكنه استغرق عقداً من الزمن ليتعلم الحكمة
القديمة التي مؤداها أنه في السياسة يعتبر الخط المستقيم هو أطول مسافة بين نقطتين·
نابليون الفيلسوف:
أصبح نابليون قادراً على استخدام عقله على نحو ما يفعل أفضل العلماء
وأكثرهم مقدرة في المعهد العلمي الفرنسي، ومعهد دراسة مصر· ورغم أنه لم يستنبط نظاماً محدداً من
الفكر يتحتم سجن الكون داخله بحيث لا تفلت منه شاردة ولا واردة، إلاّ أن عقله الواقعي قد أظهر القصورَ
في أعمال المفكرين الذين يسيئون استخدام الأفكار ويبنون قلاعاً في الهواء لا أساس لها من البيولوجيا
(علوم الأحياء) أو التاريخ· فبعد أن جرَّب (أي نابليون) لابلاس Laplace وغيره من العلماء في
المناصب الإدارية، خلص إلى أنك لا تستطيع أن تنجر أي عمل مع فيلسوف وعلى أية حال فإنه
شجع العلوم وأوصى بدراسة التاريخ فمن أقواله لابد ان يدرس ابني كثيرا من علم التاريخ
وأن يستغرق في تأمله، فالتاريخ هو الفلسفة الوحيدة الحقيقية.
رغم أنَّ نابليون نشأ ليكون رجلاً عسكرياً إلاَّ أنه كان ذا حِس صائب إزاء الحقائق الاقتصادي
ة باعتبارها أساس تحديد مصائر الأسر وباعتبارها ركيزة للحضارة، وبها يكون الحُكُم على قوّة الدولة
أو ضفعها· وبشكل عام فإنه رغم ميله الشديد للتنظيم كان مناصراً للحرية الاقتصادية،
وفتح أبواب المنافسة، وحقوق الملكية الخاصّة· فلم يهتم كثيراً بالخطط الاشتراكية التي قال بها شارل
فورييه Charles Fourier وغيره والمتعلقة بالانتاج الجماعي وتوزيع الناتج توزيعاً متساوياً·
فقد كان يشعر شعوراً أكيداً أن الأقلية الأكثر مقدرة - في أي مجتمع - سرعان ما تحكم الأكثرية
وتستوعب - أي هذه الأقلية النَّشِطة - القدر الأكبر من الثروة، وأكثر من هذا فإن المُثْل الشيوعية
لا تستطيع على المدى الطويل بأساليبها المتباينة في تقديم الحوافز في حفز الناس على الكدح،
ففي تحليل جانبي ورد أن الجوع هو الذي يجعل العالم يتحرك وأكثر من هذا فإن الملكية الجماعية تمثّل إغراء
مستمراً باللامبالاة· فبينما الملكية الفردية بما فيها من مصالح شخصية للمالك في ثروته -
تدفع لليقظة الدائمة والانتباه المستمر مما يجعل خططه مثمرة محققة لأهدافها،
فإن الملكية الجماعية تؤدي للخمول وعدم الانتاجية،
لأن المشروع الفردي مسألة موهبة ومهارة بينما المشروع الجماعي مسألة روح عامة، وتوفر
الروح العامة العالية لا يكون إلاّ نادراً· ومن هنا فقد فتح نابليون كل الأبواب وأتاح كل الفرص
لكل الناس بصرف النظر عن ثرواتهم وأنسابهم· وقد نعمت فرنسا حتى سنوات حكمه ا
لأخيرة بالرخاء الذي حقَّق السلام الاجتماعي بين كل الطبقات ولم تعد هناك بطالة ولا اضطرابات
سياسية· ولم يعد أحد مهتماً بالإطاحة بحكومة وظّفت أو أتاحت فُرصة عمل لكل محتاج.
لقد كان نابليون يؤمن بمبدأ أساسي هو أن دولة تقوم ماليتها على نظام زراعي جيد لا تسقط
أبداً لقد أدرك أنه بإشرافه على كل شيء وعدم إغفاله أي شيء أن التعريفات
الحامية Protective tariffs والتمويل المالي الموثوق به وصيانة الطرق والقنوات بشكل جيد،
كل ذلك لابد أن يشجع الفلاحين على العمل الجاد المتواصل وعلى شراء الأراضي واستصلاح المزيد منها،
وتزويد جيوشه بالشباب الأقوياء· لقد كان عدد كبير جداً من الفلاحين الفرنسيين يعملون بنظام المزارعة
(أي العمل في مزارع الآخرين لقاء المشاركة في المحصول) أو في أراضٍ مستأجرة لكن نصف
مليون منهم أصبحوا بحلول عام 1814 يمتلكون الفدادين (الأكرات acres) التي يزروعونها·
وقد وصفت سيدةٌ إنجليزية قامت برحلة إلى فرنسا في هذا العام الفلاحين الفرنسيين بأنهم يتمتعون
بدرجة من الرخاء لم يصل إليها الفلاحون في أي مكان في أوروبا· وقد نظر هؤلاء الزرَّاع
إلى نابليون باعتباره الضمان الحي لحُجج مليكاتهم وظلوا موالين له حتى وهنت أراضيهم نتيجة
غياب أبنائهم المجندين في جيوشه·
واهتم نابليون أيضاً بالصناعة اهتماماً أساسياً· فجعل من مهامه زيارة المصانع وإظهار اهتمامه بعمليات
الانتاج والمنتجات، وبالعمال والحرفيين والمديرين· وتطلّع إلى وضلع العِلْم في خدمة الصناعة·
لقد أقام المعارض الصناعية - ففي سنة 1810م أقام معرضاً في اللوفر Louvre،
وآخر في سنة 1806في خيمة هائلة في ميدان الجنود المتقاعدين ومشوّهي الحرب
Place des Invalides ونظم مدرسة الفنون والحِرَف، وكافأ المخترعين والعلماء·
وأجريت التجارب في سنة 1820 لاستخدام طاقة البخار وبالفعل فقد تم تجريب آلة غير مُتقنة
تعمل بالبخار لتسيير بارجة نقل بضائع في ترعة قرب باريس، لكن أمر استخدام الطاقة البخارية
كان في حاجة إلى مزيد من الجهود· وفي سنة 1830 قدَّم روبير فلتون Robert Fulton
خطة لاستخدام الطاقة البخارية في الملاحة، فأحالها نابليون إلى المعهد الوطني الفرنسي
Institute National الذي رفضها بعد شهرين من التجارب لكونها غير عملية· لقد كانت
الصناعة الفرنسية تتقدم على نحو أبطأ من الصناعة البريطانية، فقد كانت أسواق تصريف منتجاتها أقل
ورؤوس أموالها أقل، واستخدام الآلات فيها أقل· وعلى أية حال ففي سنة 1801 عرض جوزيف - ماري جكوار Joseph - Marie Jacquard آلة جديدة للنسج وفي سنة 1806 اشترت الحكومة الفرنسية اختراعه هذا ونشرته فأصبحت صناعة النسيج الفرنسية تنافس نظيرتها البريطانية· وزاد عدد الأنوال (جمع نول) المستخدمة في صناعة الحرير في ليون Lyons من 0053 نُول سنة 1800 إلى 057،01 في سنة 1808(7) وفي سنة 1810 كان يعمل في مصانع مورّد نسيج واحد أحد عشر ألف عامل·
وفي هذه الأثناء كان الكيميائيون الفرنسيون يواصلون جهودهم لمواجهة منع المنتجات البريطانية من السكر والقطن والأصباغ (النيلة أو الأصباغ الزرقاء) فصنعوا السكّر من البنجر والأصباغ الزرقاء من نباتات الوَسمة Woaol، وطوّروا الكتان فجعلوا منسوجاته أفضل من المنسوجات القطنية، وساعد نابليون الصناعة الفرنسية بالتعريفات الحامية Protective tariffs والحصار القاري المضاد وعاونها لتجاوز الصعاب المالية بالقروض بشروط مُيسَّرة وفتح أسواقاً جديدة للمنتجات الفرنسية في إمبراطوريته الواسعة، وكان يستوعب العمال في أشغال عامة على نطاق واسع إن شهدت البلاد ركوداً في عمليات التشغيل أو التوظيف·
وكان بعضها شاهداً على عظمة نابليون وجيوشه مثل عمود فيندوم(ü) Vendome Column والمادلين Madeleine (الكلمة تعني حرفياً فواكه الصيف) وقوس النصر المرصّع بالنجوم وقوس نصر ميدان الفروسية، وشغَّل الشباب في بعض الأعمال الأخرى مثل إقامة تحصينات عسكرية أو أعمال تهدف لتسهيل التحركات العسكرية وغيرها كالأشغال التي جرت في ميناء شيربورج Cherbourg وحصنه وقناته، وبعض هذه الإنشاءات ذات النفع كانت مصمّمة بحيث يكون لها أبعاد فنية جمالية، كمبنى البورصة وبنك فرنسا ومبنى مكتب البريد العام ومسرح الأوديون Odeon (الكلمة تعني حرفياً مسرح إغريقي للموسيقا والغناء)، بل وحتى سوق القمح Bels أو سوق النبيذ Vins وبعض هذه الأشغال العامة كانت لتسهيل العمل الزراعي، كتجفيف المستنقعات بالإضافة لأعمال أخرى تُيسِّرالنقل والتجارة· وتم افتتاح شوارع جديدة في باريس مثل طرق ريفولي Rivoli وكاستينجليون Castinglione والبو Paix (السلام) وميلين من الأرصفة على طول نهر السين ومقر وزارة الخارجية الفرنسية المطل على هذا النهر ذاته، والأكثر أهمية إنشاء 005،33 ميل من الطرق الجديدة في فرنسا، وما لا حصر له من الجسور بما في ذلك جسر أوسترليتز في باريس وجسر لينا Lena في باريس أيضاً، أضف إلى هذا تطهير النهر ومد شبكة رائعة من الترع والقنوات· لقد تم حفر ترع كبرى لتربط باريس بليون Lyons وليون بستراسبورج Strasbourg وبوردو Bordeaux·
وسقط نابليون قبل أن يستطيع إكمال مشروعين آخرين: قنوات تربط الراين بالدانوب والرون، وقنوات أخرى تربط البندقية (فينيسيا) بجنوة.
ولم يكن مسموحاً للعمال الذين يعملون في حفر القنوات وإقامة أقواس النصر وتشغيل المصانع بالاشتراك في أي إضراب أو تكوين اتحادات للمطالبة بتحسين ظروف العمل أو رفع الأجور· وعلى أية حال فإن حكومة نابليون عملت على أن تكون الأجور متمشية مع الأسعار وأن يخضع الخبَّازون والجزارون (اللحّامون) والمنتجون لتنظيم الدولة
وأن تتوفّر ضروريات الحياة خاصة في باريس· وحتى الأعوام الأخيرة من حكم نابليون كانت الأجور
تزداد بمعدّل أسرع من ازدياد الأسعار وشاركت البروليتاريا (الطبقة العاملة) على نحو معتدل في
الرخاء العام وفي مجد انتصارات نابليون، فأصبحوا أكثر وطنية من
البورجوازية· فأعطوا أذناً غير مصغية للبورجوازيين الليبراليين مثل مدام دي
ستيل Stael وبنيامين كونستات (قستنطين) Benjamin Constant في تبشيرهم بالحرية·
أهتمامه بالعلم..
شهدت العلوم عصراً من أزهى عصورها في عصر نابليون لقد كان هو نفسه أوّل حاكم في التاريخ
الحديث تلقى تعليماً علمياً، وربما لم يتلق الاسكندر تلميذ أرسطو مثل هذه الخلفية العلمية العميقة التي
تلقاها نابليون· لقد كان الفرنسسكان الذين علّموه في المدرس العسكرية في برين Brenne يعلمون
ان العِلْم أكثر فائدة من اللاهوت لكسب المعارك، فدرَّسوا للكورسيكي الشاب كل ما كانوا يعلمونه في
الرياضيات والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والجغرافيا·
وعندما وصل للسلطة أعاد التقليد الذي كان
على أيام لويس الرابع عشر، بتقديم جوائز مالية وعَيْنية لمن حققوا إنجازات ثقافية وقد قدّم معظم هذه
الجوائز للعماء مستوحياً بذلك خلفيته العلمية، ومرة أخرى حذا حذو من سبقه فوسّع مجال عطاياه ليشمل
غير الفرنسيين، ففي سنة 1801دعا المعهد العلمي الفرنسي باسمه العالم أليساندرو
فولتا Alessandro Volta للحضور إلى باريس ليعرض نظرياته عن التيار الكهربائي،
وحضر فولتا بالفعل وحضر نابليون ثلاث محاضرات من محاضراته وقدَّم لهذا الفيزيائي الإيطالي
ميدالية ذهبية وفي سنة 1808 أعطى جائزة الاكتشافات في مجالي الكيمياء الكهربيّة لهمفري
ديفي Humphry Davy الذي حضر إلى باريس لتسلّمها رغم أن فرنسا وانجلترا كانا في حالة حرب·
وكان نابليون يدعو بشكل دوري علماء المعهد العلمى الفرنسي ليجتمعوا به ليقدموا له تقريراً عن
الأعمال التي قاموا بها أو الجاري العمل فيها في مختلف مجالات تخصصهم· وفي أحد هذه الاجتماعات،
في فبراير سنة 1808 تحدث سكرتير المعهد كوفييه Cuvier ببلاغة كلاسيّة رصينة كبلاغة
بفوّن Buffon وكان يحق لنابليون أن يشعرأن العصر الذهبي للنثر الفرنسي قد عاد من جديد·
لقد تفوق الفرنسيون في العلوم البحتة مما جعل فرنسا أكثر الأمم عقلانية وتشكّكاً، أما الإنجليز فشجعوا
العلوم التطبيقية وطوّروا الصناعة والتجارة والثروة·
إما في الطب فيتضح مدى تقدير نابليون لعمل الأطباء المخلصين الأكفاء من أنه أوصى بمئة
ألف فرنك للجرّاح الدومينيكاني لرّي Larrey (1766 - 1842) الذي صحب الجيش
الفرنسي إلى مصر وروسيا
وواترلو والذي كان يسارع لتقديم المساعدة السريعة للجرحى، وأنجز مئتي عملية بتر في يوم
واحد في بورودينو Borodino وترك لنا أربعة مجلدات عن العمليات الجراحية أثناء الحروب .
وفاته:
تــوفي نابليون في 3 مايو 1821 جزيرة سانت هيلانا.[/
وفي 9 مايو انطلق موكب كبير يضم السير هدسون لو Lowe لنقل الجثمان إلى مقبرة
خارج لونجوود في وادي جيرانيومز Geraniums وكان نابليون نفسه قد اختار هذا الموقع،
ولُف بالعباءة التي كان يرتديها في معركة مارنجو Marengo ودُفن معه سيفه الذي كان
محل فخره وشعار حياته· وظلت جثته في هذا القبر تسعة عشر عاما حتى أعادت فرنسا رفاته إلى بلاده..
نابليون بونابرت (1769-1821)
فى عام 1769 ولد نابليون في جزيرة كوروسيا الايطالية وانتقل الى باريس ودرس في المدارس العسكرية وحصل على رتبة ضابط
وقد عاصر الثورة الفرنسية وقد استعانت به حكومة الادارة (دايركتوار) في اخماد ثورات الملكيين
وقامت الجمهورية سنة 1792م وظهر نابليون بونابرت على مسرح الأحداث بمقاومته للثوار سنة 1793م
وفي سنة 1796 أصبح قائدا للقوات الفرنسية وقام بمحاولة لأنشاء أمبراطورية مع ايطاليا والنمسا ( صلح كامبورميو) دون استشارة حكومة الادارة
وبدا يخطط الانفراد بالحكم وبالفعل فقد قضى على حكومة الادارة في سنة 1799 واعلن عن حكم "القناصلة الثلاثة"
الصورة المقابلة لأمبراطور فرنسا الشهير نابليون بونابرت قائد عام عسكر الحملة الفرنسية إلى مصر
، وقد اتجهت أطماع نابليون إلى غزو مصر عقب انتصاراته فى حروب إيطاليا فبدأ يفكر فى تمهيد الطريق لإنفاذ حملة كبيرة فى البحر الأبيض المتوسط واحتلال مصر ليتخذها قاعدة عسكرية يصل منها إلى الأملاك الإنجليزية فى الهند من ناحية ومن ناحية أخرى ليلتهم املاك الإمبراطورية العثمانية التى أصبحت فعلاُ ضعيفة وتحكم بواسطة الخداع والوقيعة بين أهل البلاد وبعضهم البعض
وهكذا بدأ نابليون بونابرت فى تنفيذ أحلامه فى احتلال مصر خاصة أن فرنسا حاولت ضم الكنيسة القبطية إلى بابا روما
تحركت أولي جيوش فرنسا من مياه مالطة فى يوم 19 يونيو سنة 1798 م
ثم وصلت جنود الحملة غرب مدينة الإسكندرية يوم 2 يوليو سنة 1798 م احتلوها فى ذلك اليوم وبعد ذلك أخذ نابليون يزحف على القاهرة عن طريق دمنهور حيث استطاع الفرنسيون احتلال مدينة رشيد فى 6 يوليو وواصلوا تقدمهم إلى الرحمانية وهي قرية على النيل
أما المماليك فكانوا فقد أعدوا جيشا لمقاومة الجيوش الفرنسية بقيادة مراد بك والتقي الجيشان بالقرب من شبراخيت يوم 13 يوليو سنة 1798 م وهزمت الجيش المملوكية وتقهقرت فرجع مراد بك إلى القاهرة والتقي كلا من الجيش الفرنسي والجيش المملوكي مرة أخرى فى موقعة إمبابة أ( موقعة الأهرام ) وهزم جيش مراد بك مرة أخرى فى هذه المعركة الفاصلة فى 21 يوليو سنة 1798م
وفر مراد بك هارباً إلى الجيزة أما إبراهيم بك فقد كان مرابطا بالبر الشرقي من النيل لما رأى هزيمة بجيوش مراد بك وانسحبوا جميعا قاصدين بلبيس استطاع نابليون بونابرت احتلالها ودخل القاهرة فى 24 يوليو سنة 1798 م مصحوبا بضباطه وأركان حربه ونزل بقصر محمد بك الألفي بالأزبكية . وقد أحتل نابليون بونابرت سويسرا بعد في الفترة بين 1798 و 1815 لم يأت خالي الوفاض ، بل جلب معه نظام الديمقراطية المباشرة ورغم أن السويسريين أخرجوه من بلادهم بالقوة ، إلا أنهم احتفظوا بهذا النظام ، ليتحول إلى ميزة يفخرون بها إلى يومنا هذا , ولكن مصر رجعت إلى الإسلام لتظل تعانى من نظام حكم مشوة حتى الان .
وكان نابليون بمثابة قنصل اول تمتع بصلاحيات تنفيذية وسياسية وعسكرية وكانت هذه الخطوة خطوة اولى نحو الحكم الفردي وفي سنة 1804 اصبح نابليون امبراطورا وانفرد بالحكم بلا منازع .
الحمـــلة الفرنسية على مصر
أذاق نابليون بونابرت العالم ويلات الحروب ومن المعروف أن الكنيسة الكاثوليكية حاولت ضم الكنيسة القبطية إليها ولكن حافظت الكنيسة القبطية على إستقلالها وقد حاول الفرنسيين فى هذا المضمار ممثلين للبابا وبعد قيام الثورة الفرنسية أو كما سماها الفرنسيين إنتشار الجمهور الفرنسى اقنع نابليون الحكومة الفرنسية بالهجوم على مصر وإحتلالها فأعد حملة على مصر في عام 1798م وكانت الحملة مكونة من 30 الف محارب.. وفى يوم 19 مايو 1798 اقلع اسطول فرنسى كبير مكون من 26 سفينة من ميناء طولون ، وبلغ الانجليز أخبار مغادرة نابليون فرنسا
وعهدوا الى نيلسون باقتفاء اثره وتدمير أسطوله ، فقصد الى مالطة ولكنه وجد أن أسطول نابليون غادرها نحو الشرق منذ خمسة ايام ، فرجح انها تقصد مصر واتجه الى الاسكندرية وبلغها يوم 28 يونيو 1798 فلم يعثر هناك للفرنسيين على أثر وحذر المصريين .وقد وصل الأسطول الفرنسى غرب الاسكندرية عند العجمى فى اول يوليو 1798 ، وبادر بانزال قواته ليلاً على البر ثم سير جيشاً الى الاسكندرية .
.وانزلت المراكب الحربية الفرنسية الجيش الفرنسي في تموز 1798 في الاسكندرية ..ووجّه نابليون في اليوم ذاته نداءً الى الشعب المصري ،
وأصدرت الحملة نداء إلى الشعب بالأستكانه والتعاون وأعتنق نابليون بالإسلام ووأصبح صديق وحامي الإسلام ...
واستولى نابليون على اغنى اقليم في الأمبراطورية العثمانية ، وطبقاً للبروباجندا الحربية أدعى "صديقاً للسلطان التركي" وإدّعى أيضا انه قدم الى مصر "للإقتصاص من المماليك" لا غير، باعتبارهم اعداء السلطان ، واعداء الشعب المصري ...
وهذه رسالة نابليون بونابرت الذى دعاه المؤرخين المسلمين الجنرال على إلى شعب مصر
" بسم الله الرحمن الرحيم لا اله الا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه ...
ايها المشايخ والأئمة ..
قولوا لأمتكم ان الفرنساوية هم ايضاً ملسمون مخلصون وإثبات ذلك انهم قد نزلوا في روما الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحّث النصارى على محاربة الإسلام ، ثم قصدوا جزيرة مالطا وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون ان الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين ، ومع ذلك فإن الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني ..ادام الله ملكه...
ادام الله اجلال السلطان العثماني
ادام الله اجلال العسكر الفرنساوي
لعن الله المماليك
واصلح حال الأمة المصرية"
وظل محمد كرم يقاوم تقدم الجيش الفرنسى فى الإسكندرية وظل يتقهقر ثم اعتصم بقلعة قايتباى ومعه مجموعة من المقاتلين ، وأخيراً أستسلم وكف عن القتال ، ولم يكن بد من التسليم ودخل نابليون المدينة ، واعلن بها الامان .
وفى 6 سبتمبر 1798 اصدر نابليون بونابرت أمرا بتنفيذ عقوبة الاعدام فى السيد محمد كريم بميدان الرميلة بالقاهرة
وأصبح نابليون بونابرت حاكم مسلم واسمه " بونابردى باشا" وكان يطلق عليه المسلمين أسم على نابليون بونابرت ، وكان يتجوّل وهو مرتدي الملابس الشرقية والعمامة والجلباب .
وكان يتردد الى المسجد في ايام الجمعة ويسهم بالشعائر الدينية التقليدية بالصلاة ، وكوّن نابليون ديواناً استشارياً مؤلفاً من المشايخ والعلماء المسلمين
وجه نابليون بونابرت في20 أبريل عام1814 خطابا تاريخيا إلي من سماهم جنود حرسي القديم, وذلك إثر هزيمته وقبيل ابعاده إلي منفاه في جزيرة ألبا علي الشاطيء الإيطالي ولم يلبث نابليون بعد عشرة شهور أن هرب من منفاه في15 مارس1815 متجها إلي باريس علي رأس عدة آلاف من هؤلاء الجنود, أي جنود حرسه القديم, كانت تلك فيما يبدو المرة الأولي في التاريج الحديث التي يستخدم فيها تعبير الحرس القديم في خطاب رسمي أصبح وثيقة تاريخية
نابليون بونابرت
كيف مات نابليون بونابرت ؟
رجح الدكتور باسكال كينتز خبير سموم فرنسي أنه يعتقد أن الإمبراطور الفرنسي الراحل نابليون بونابرت قد مات مسموما وأعلن أنه عثر على آثار الزرنيخ المعدني المعروف شعبيا باسم "سم الفئران" في شعر بونابرت عام 2001م , من هذا أستنتج أن الإمبراطور المخلوع مات مسموما وليس نتيجة الإصابة بسرطان المعدة في الخامس من مايو/أيار عام 1821 عن 51 عاما.
وأكد د. كينتز إن الزرنيخ وصل إلى النخاع الشوكي للشعر مما يفسر وصوله عبر الدم ومن خلال أغذية مهضومة , وبهذا رد على النظرية التي طرحتها عام 2002 نشرة "سيانس أي في" (علم وحياة) الفرنسية الشهرية والتي تقول إن الزرنيخ المكتشف خارجي المصدر ولم يتناوله الإمبراطور وبنى نظريته على النشرة الفرنسية التى قالت أن الزرنيخ كان يستخدم كثيرا في القرن التاسع عشر للمحافظة على الشعر.
كتاب وصف مصر أعظم عمل قدمته الحملة الفرنسية إلى مصر
رافقت الحملة الفرنسية مجموعة من العلماء فى شتى مجال العلم فى وقتها اكثر من 150 عالما واكثر من 2000 متخصص من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين الذي رافقوا القائد الفرنسي نابليون بونابرت في مصر خلال اعوام 1798/ 1801. من كيميائيين وأطباء وفلكيين إلى آخرة , وكانت نتيجة لمجهودهم هو كتاب وصف مصر
وهو عبارة عن المجموعة الموثقة تضم 11 مجلداً من الصور واللوحات مملوكة لمكتبة الاسكندرية و9 مجلدات من النصوص من بينها مجلد خاص بالأطالس والخرائط اسهم بها المجمع العلمي المصري
وقام هؤلاء العلماء بعمل مجهد غطى جميع أرض مصر من شمالها إلى جنوبها خلال سنوات تواجدهم وقاموا برصد وتسجيل كل أمور الحياة في مصر انذاك وكل مايتعلق بالحضارة المصرية القديمة ليخرجوا إلى العالم 20 جزءا لكتاب وصف مصر وتميز الكتاب بصور ولوحات شديدة الدقة والتفاصيل . ويعتبر هذا الكتاب ألان اكبر وأشمل موسوعة للأراضي والآثار المصرية كونها اكبر مخطوطة يدوية مكتوبة ومرسومة برسوم توضيحية قتميزت بالدراسة العميقة الدارسين والاكاديميين الذين رافقوا نابليون فيما نشر الكتاب بين عامي 1809/1829. كما تشتمل هذه المجموعة على صور ولوحات لأوجه نشاط المصرى القديم للآثار المصرية وأيام الحملة نفسها التاريخ الطبيعي المصري بالاضافة إلى توثيق كل مظاهر الحياه والكنوز التاريخية والفنية والدينية المصرية وتسجيل جميع جوانب الحياة النباتية والحيوانية والثروة المعدنية آنذاك.
وقد اصدرت مكتبة الاسكندرية (نسخة مرقمنة) من هذا كتاب (وصف مصر) على اقراص مضغوطة.
وقال مدير المكتبة الدكتور اسماعيل سراج الدين " ان أهمية هذه المبادرة تأتي لكونها الأولى في العالم لرقمنة ذلك الكتاب الذي يعد من اعمق واقوى الكتب كما يعد واحدا من ثروات مصر ويمكن الباحثين من الاطلاع عليه كبديل عن النسخة الاصلية " .
*************************************
الأهرام 29 مايو 2006 م السنة 130 العدد 43638 حشدت فرنسا جهود علماء وخبراء ووفرت إمكانات مالية هائلة لتجميع كل مراسلات نابليون في مجلدات يخص كل منها مرحلة من حياته القصيرة التي دامت50 عاما فقط, صدر منها أخيرا في باريس الجزء الثاني الخاص بالحملة علي مصر1798 ـ1801.
غزي نابليون بونابرت مصر علي رأس نحو36 ألف رجل و5 آلاف مدفع وآلاف الخيول و200 سفينة وعلماء ومطبعة قد تجاوز الـ28 عاما , وهو في فورة الشباب كان يحمل في جيبه أقلاما عديدة يدون في كل وقت بقلمه شخصيا أو يأمر فيدون له آلاف الأوامر والمذكرات والأفكار والخطابات العسكرية والسياسية والشخصية وصل مجموعها إلي2500 وثيقة, ما نشر منها حتي اليوم لا يتجاوز الـ1500, ينشر منها لأول مرة في هذا المجلد أو الكتالوج نحو1000 وثيقة, وهو ما جعل السيدة مارتين دي جوادفر رئيسة أرشيفات فرنسا والصديقة الحميمة لمصر تصف هذا العمل بأنه ليس أقل من الناحيتين العلمية والتاريخية من كتاب وصف مصر نفسه.
ومقدمة الكتاب1400 صفحة وضعها العالم الكبير هنري لورانس عن أن مشروع نابليون بإنشاء إمبراطورية فرنسية في دار الإسلام هي المقدمة للصدام الحالي بين الإسلام والغرب, وفيه وضع الغرب أسس قرنين كاملين للاستعمار المادي علي الطريقة البريطانية, والفكري علي الطريقة الفرنسية, وإن كان الاثنان يتلاقيان كثيرا. وقد قام بوضع المجلد3 لجان: واحدة علمية والثانية تاريخية والثالثة خاصة بالتحرير والنشر, وبلغ عدد العاملين في اللجان الثلاث نحو65 عالما ومؤرخا ومحررا ومسئولا ماليا, وكلها تحت إشراف المؤرخ الفرنسي المعروف تييري لانتز.
واستغرق العمل في هذا المجلد10 سنوات وأعجب نابليون بلسيد محمد كريم حاكم الإسكندرية, وكان شديد الإعجاب بشجاعته وفروسيته, لكن كليبر ما فتئ يحذره من خبث حاكم الإسكندرية حتي انتهي الأمر بأن وقع نابليون ـ والسكين في قلبه كما يقول ـ أمر إعدام محمد كريم, وتكشف أيضا عن غضبه الشديد من شيوخ الأزهر بعد ثورة القاهرة الأولي, فهو اعتبر أن إنشاء الديوان كافيا لإدارة البلاد من قبل أبنائها من شيوخ الأزهر, وأمر موقع منه بضرب القاهرة بالمدافع ولعله اتخذ قرار العودة لفرنسا في هذه اللحظة.
إذا أردت أن تحكم مصر
إلا أن أغرب الوثائق هي وصيته لكليبر التي يقول فيها: إذا أردت أن تحكم مصر طويلا فعليك باحترام مشاعر الناس الدينية واحترام حرمات منازلهم, وسمح بناء على إعتقاده ل الجنرال مينو بأمر عسكري بالتحول إلي الإسلام والزواج من سيدة من رشيد.
ووثيقة أخري شديدة الإثارة عن حلم نابليون بحفر قناة السويس وعدم إضاعة قطرة واحدة من ماء النيل إذا قيد له أن يحكم مصر طويلا, وأن يجعل من مصر قاعدة لإمبراطورية هائلة شرق السويس تمتد حتي إيران وأفغانستان, فأنا لست أقل من الإسكندر الأكبر,. رغم حزني الشديد لأن الإسكندر غزا مصر في سن السادسة والعشرين بينما أنا في الثامنة والعشرين
وهناك وثيقة أخري رقم3618 بتاريخ4 نوفمبر1798 يوقع فيها بونابرت علي قرار عسكري بأن تدفع فرنسا رواتب شيوخ الديوان, وهم الشيخ إسماعيل البراوي والشيخ يوسف الموصلي والشيخ عبدالوهاب الشبراوي والشيخ سليمان الجوسقي والشيخ أحمد الشرقاوي. ويبدو أن هؤلاء لم يكونوا قد انضموا إلي علماء الديوان في تكوينه الأول.
وهناك أوامر عسكرية في سطور قليلة تكشف عن كيفية إدارة شئون الجيش الفرنسي في مصر. وتكشف الوثائق عن وجود مراسلات بين المعلم يعقوب قائد كتيبة الأقباط وجرجس الجوهري أحد أعيان أقباط مصر, وهي خطيرة لأنها تكشف عن مخططات واسعة المدي للفصل بين أقباط مصر ومسلميها( الرسالة رقم3872 بتاريخ7 ديسمبر1798).
ثم هناك رسالة تهنئة بتاريخ26 فبراير1799 تحت رقم4262 للجنرال مينو علي قيامه بإلقاء خطبة الجمعة كمسلم في مسجد غزة في أثناء الحملة علي الشام, ويقول له: إن أفضل الطرق للحفاظ علي السلم في مصر هو تبني عقيدة الإسلام أو علي الأقل عدم معاداتها واجتذاب ود شيوخ الإسلام ليس فقط في مصر بل في سائر العالم الإسلامي.
وتكشف وثائق أخري عن توصيف دقيق بقلم نابليون نفسه لبعض المعارك الحربية مثل معركة الرحمانية( رقم4626 بتاريخ20 يوليو1799), وأخري في اليوم التالي, ثم أخري لأهالي القاهرة للتأكد من حيادهم في حربه ضد مسلمي الشام.
ثم عشرات الرسائل والأوامر بإعدام المجرمين وقطاع الطرق في القاهرة, وأيضا إعدام جنود فرنسيين ثبت إجرامهم في حق الأهالي.
علي أن أشد هذه الوثائق إثارة هي الوثائق الأخيرة التي وقعها قبل رحيله عن مصر, ومنها وصيته للجنرال كليبر رقم4758 بتاريخ22 أغسطس1799 ثم وثائق أخري تثبت أنه كان ينوي بعد عودته إلي فرنسا إرسال تعزيزات وجيش جديد لمصر, لكن استسلام مينو في الإسكندرية في يوليو1801 قضي نهائيا علي حلمه.
من أقوال نابليون حول مصر
1 ـ في مصر لو حكمت لن أضيع قطرة واحدة من النيل في البحر, وسأقيم أكبر مزارع ومصانع أطلق بها إمبراطورية هائلة, ولقمت بتوحيد الإسلام والمسلمين تحت راية الإمبراطورية ويسود العالم السلام الفرنسي.
2 ـ في مصر قضيت أجمل السنوات, ففي أوروبا الغيوم لا تجعلك تفكر في المشاريع التي تغير التاريخ, أما في مصر فإن الذي يحكم بإمكانه أن يغير التاريخ.
3 ـ لو لم أكن حاكما علي مصر لما أصبحت إمبراطورا علي فرنسا.
4 ـ الرسول محمد , بني إمبراطورية من لا شيء.. من شعب جاهل بني أمة واسعة.. من الصحاري القفر بني أعظم أمبراطورية في التاريخ.
(الصورة المقابلة : نابليون بونابرت يحتفل هو وقواد جيشة بإحتفال المولد النبوى )
5 ـ الإسلام كالمسيحية تفسدهما السياسة ويلعب القائمون عليهما بالنار إذا تخطوا حدود أماكن العبادة لأنهم يتركون مملكة الله ويدخلون مملكة الشيطان.
6 ـ حلمي تجسد في الشرق بينما كاد يتحول إلي كابوس في الغرب.
فكرة قناة السويس فى عصر نابليون
وذهب الفيلسوف الألماني الشهير لايبيتز يقترح علي الملك لويس الرابع عشر (*) فكرة أنشاء قناة تربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط في إطار مشروع شامل لغزو مصر ولكن الملك الشمس كما كان يطلق عليه لم يكن يريد اغضاب الباب العالي في الأستانة من ناحية, ولأن أحلامه التوسعية كانت في أوروبا, وعندما قامت الثورة الفرنسية دخلت في صراعات مسلحة دموية مع ممالك أوروبا واستطاعت الانتصار عليها إلا مملكة واحدة وهي انجلترا, ومن هنا ظهرت فكرة قطع طريق المستعمرات البريطانية في الهند باحتلال مصر وكانت الحملة الفرنسية عام1798.
الغريب أن الوثائق تكشف أن حكومة الديركتوار التي كانت تحكم فرنسا وقد أرادت أن تتخلص من الضابط الشاب نابليون, وكان عمره27 سنة, وقد حقق انتصارات باهرة علي أعداء فرنسا في ايطاليا أعطته أمرا مباشرة يتصدر ديباجة الأمر السياسي الصادر بالقيام بالحملة بحفر قناة تربط بين البحرين ولذا كانت تسمي قناة البحرين وليس بعد قناة السويس وهو الاسم الذي سوف يعطيه ديليسبس للقناة بعد نحو نصف قرن من الحملة.
وتتحدث الوثائق عن الخروج الوحيد لنابليون من القاهرة لسبب غير عسكري, وهو ذهابه ومجموعة من المهندسين يرأسهم مهندس يدعي لوبيرLePere لمعاينة الموقع هندسيا عند السويس والبدء في الحفر , إلا أن لوبير أقنع نابليون بالعدول عن المشروع لأنه اكتشف أن مستوي البحر الأحمر أعلي من مستوي البحر الأبيض, وقال له إنه اذا حفرنا عند السويس فستغرق مصر كلها.
سعد زغلول باشا
ولد سعد زغلول فى شهر يوليو سنة 1857, تبعاً لما ذكره لبعض سائليه عن ميلاده, ولا نعلم من سجل المواليد تاريخ ميلاده على وجه التحقيق, أما تاريخ الميلاد المسجل على شهادة ليسانس الحقوق التى حصل عليها من باريس, ففيها إنه أول يونيو سنة 1860, فى بلدة أبيانه, التابعة لمديرية الغربية سابقا وحاليا كفر الشيخ, فى أطراف بعيدة عن العاصمة التى تستقر فيها هيبة الحكام وسطوة الرؤساء, ولكنها ليست بعيدة عن أثار عسفهم وجرائر فسادهم.
نشأ فى أسرة فى الفلاحين, لم تكن بالغة الثراء, كما لم تكن بالغة الفقر. كان أبوه إبراهيم زغلول عميد بلدته ومن أثرياء الفلاحين فيها, لكن مات أبوه وهو فى السادسة من عمره, فحرم من عطف الأبوة وحمايتها ولكنه حرمان لم يصادف ضعفا فى مزاج نفسه فينهكها وهى فى نواتها, بل صادف منه قوة أصيلة, فأعان ما ركب فيه من ميزات الجد والشعور بالذات والاعتماد على النفس فى تذليل الصعوبات ومواجهة الناس.
أرسل سعد إلى الكتاب فى سن السادسة, وانتهى منه فى نحو الحادية عشر, ووضحت عليه فى تلك السن المبكرة مخايل الذكاء, فكان يصحح كتابة اللوح من قراءة واحدة, ويفرض على نفسه من الواجبات المدرسية فوق ما يفرضه المعلم. وبعد أن أتم حفظ القرأن الكريم حفظاً جيداً, ولم يبق له ما يتعلمه فى الكتاب, تردد خلال مدة سنتين بين رشيد ومطوبس يحضر على الشيخ أحمد أبى راس, يدرس عليه مبادىء النحو والفقه, وقد أصبح هذا الشيخ فيما بعد شيخ معهد دسوق.
ثم أخذ يتلقى أصول التجويد بالجامع الدسوقى والقراءة على الشيخ عبدالله عبدالعظيم المقرىء المشهور.
فى عام 1871 التحق سعد زغلول بالأزهر, وهى السنة التى تولى فيها الشيخ محمد العباسى المهدى مشيخته, وعمل فيها على تنظيمه وتجديده, فأنشأ لجنة لامتحان الطلاب, ومنح الناجحين منهم إجازة العالمية.
وفى عام 1872, فى عهد رئاسة رياض باشا للوزارة, الذى دعا الزعيم الاسلامى الكبير جمال الدين الأفغانى إلى الاقامة بالقاهرة, وقدمت معه تلك الدعوة الجريئة التى هز بها الشرق العربى وأبنائه فى كل مكان, واختلف الطالب الأزهرى سعد زغلول إلى مجلس السيد جمال الدين فى داره بخان أبى طاقية حيناً, وفى مقهى "متاتيا" المواجه لمسرح الأزبكية حيناً أخر, يرتشف من معينه, ويتلقى عنه أعظم المبادىء وأسمى الاتجاهات!!
ويروى عن سعد زغلول بعد أن التقى بجمال الدين الأفغانى لأول مرة, أنه قال "هذا بغيتى", وقيل أيضا إن جمال الدين استكتب تلاميذه موضوعاً عن الحرية, فأجاد سعد فى كتابته إجادة فاق بها أقرانه, وصادفت إعجابا وتقديرا له حتى أنه قال: "مما يدل على أن الحرية ناشئة فى مصر أن يجيد فى الكتابة عنها هذا الناشىء".
وقد احتفى رياض باشا بالسيد جمال الدين الأفغانى, وعين له مرتبا شهريا, وكان يرجو النفع لهذا البلد من أعماله وأعمال مريدية, واستعان بأبرز تلاميذه وهوالشيخ محمد عبده على الاشراف ورئاسة تحرير جريدة الحكومة "الوقائع المصرية" فأحدث فيها تغييراً كبيراً, واستحرث فيها أنماطاً جديدة فى التحرير والأسلوب والموضوعات واحتاج الأستاذ إلى مساعدين فى عمله, فلم يجد من تلاميذ الأفغانى من هو أقدر من سعد زغلول على المساعدة فى هذا التعيين فى الخامس من أكتوبر سنة 19880م, بمرتب شهرى قدره ثمانية جنيهات, وانقطعت بذلك علاقة سعد زغلول بالأزهر..!!
وأصبحت هذه الصحيفة الرسمية, صحيفة الثورة الفكرية, تنطق بمبادئها وتنحى على الاستبداد, وتبشر بالحرية والشورى, وانتفع سعد بصحبة الشيخ والعمل معه فى هاتين المدرستين اللتين تكمل إحداهما الأخرى, مدرسة جمال الدين الافغانى ومدرسة الامام محمد عبده.
ولقد كان اشتغاله بالتحرير فى جريدة الوقائع المصرية, مرحلة أخرى ذات شأن عظيم فى تاريخ حياته كلها, لأن العمل بها, لم يقتصر على تصحيح العبارات, وكتابة المقالات الأدبية, بل تناول نقد أحكام المجالس الملغاة وتلخيصها, والتعقيب عليها, ففتحت أمام سعد أبواب الدفاع والدراسات القانونية, وأيواب الدفاع السياسى والأعمال السياسية, وهى الوجه التى صمد عليها بقية حياته, وتم عليها تكوينه, وتثبيت مواهبه العقلية, ولم يلبث على الاشتغال بها غير قليل, حتى ظهرت كفاءته فى نقد الاحكام وفهم مباحث القانون وما يقابلها من الشريعة, ثم اشتعلت الثورة العرابية, فنقلته إلى وظيفة ناظر لقلم قضايا الجيزة فى ديسمبر سنة 1882 وقد قال عنها فى خطبة ألقاها فيما بعد عند اختياره لمنصب القضاء, إنها (أشبه بوظيفة القاضى, إذ كان من خصائصه أن يصدر الاحكام فى كثير من المواد الجزئية) وشاءت المصادفات أن تكون هذه الأيام فاصلاً بين عهدين فى حياة سعد وفى حياة الأمة المصرية, فنقلته من الأزهر إلى الحكومة, ومن العمامة إلى الطربوش, ومن دراسة العلوم الدينية إلى دراسة العلوم القانونية.
وفى تلك الأيام حين كانت الثورة العرابية على أشدها, انتقلت مصر بأسرها من حال إلى حال, وانطوت فى تاريخها صفحة معلومة وبدأت فيه صفحة مجهولة, وقدر لهذه الصفحة المجهولة أن تعود فتلتقى بتاريخ سعد فى صفحة واحدة!
على أثر قيام الثورة العرابية, لم يكن مناص من اشتراك سعد زغلول فيها ولو بدور سرى يتناسب مع ظروف الوظيفة, ولكنه كان معلوما على كل حال, فلما أخفقت الثورة وأضير رجالها, كان هو من أوائل الموظفين المتهمين بانتمائهم إليها, ففصل وحورب كما حورب جميع أنصارها!!
ثم وصلت إليه أصابع الاتهام, فى قضية خطيرة, اتهم فيها مع صديق له وهو حسين صقر بتأليف جماعة سرية اسمها "جماعة الانتقام", عملها اغتيال المواطنين الذين خانوا الثورة العرابية وسهلوا لرجال الحكومة الاحتلالية, سبيل القبض على رجال الثورة وأنصارها, وقد تمت محاكمته مع صديقه المذكور, ولما لم تكن هناك أدلة ثابتة على هذه التهمة المزعومة, حكم عليهما بالبراءة, ورغم ذلك بقيا معتقلين فى السجن, مدة طويلة وصلت إلى 98 يوماً, وكانت الحكومة تعتزم نفيهما إلى السودان, غيى أن تنفيذ هذا الأمر المنافى للعدالة, وبعد صدور حكم البراءةو من محكمة انجليزية, كان تحديا لقضائها الذى برأهما, فاضطرت الحكومة إلى الافراج عنهما.
وقد خطر لسعد بعد أن أطلق سراحه وتبرئته, أن يسعى لاستعادة وظيفته السابقة, أو أى وظيفة غيرها فى الحكومة, ولكنه أخفق, حيث أن الطريق إلى ذلك سيكلفه أنواعاً من التزلف والتنكر, الأمر الذى لا يطيقه ويتنافى مع كرامته, لذلك فقد طلق الفكرة نهائيا, وعزم على الاتجاه نحو المحاماة, وفضل العمل فيها عن انتظار الوظيفة.