مشاهدة النسخة كاملة : ظاهرة التصنيف وأزمة النخب المثقفة


أحمد الجندبي
18-05-2007, 03:00 PM
.
مجتمعنا قبل ( النت ) كان مخبوءا ، لا تكاد أن تراه ، ولا أن تحس به ، فهو مستغرق في عالمه الخاص ( كل في فلك يسبحون ) ، يمكن أن نقول بأنه كان مسالما من ناحية ، ومنسجما مع نفسه والآخر من ناحية أخرى ، هكذا يبدو للوهلة الأولى ، غير أن هذه الصورة مخادعة إلى حد ما ، ومضللة للمتابع ، فمع وسائل الاتصال الحديثة ، والجديدة على مجتمعنا بدأت النخب تعلن عن نفسها ، وعن توجهاتها الأيديولوجية ، ومن ثم كان انعكاس نشاطها على المجتمع المدني عامة ، وقد تكون النخب المثقفة هي الصانعة لهذه الصورة السالبة ، ومن ثم نقلها إلى المجتمع

من أخطر الظواهر المرضية هي ( التصنيف ) ومنها كان الاحتراب بين الطوائف المثقفة ، وانشغال كل طرف بهمومه ، وآماله ، وتطلعاته ، وإغراق المجتمع في قضايا ليست من ضمن اهتماماته ، لك أن تتأمل في تلك الثنائيات المأزومة .. إسلامي / ليبرالي .... حداثي / تراثي ... بل والأكثر من ذلك انشطار كل تيار من داخلة عبر ثنائيات أيضا ... جامي / سلفي ... سروري / قطبي .... ، والأتباع يميلون إلى ما يقوله هذا الرمز أو ذاك ، من دون أدنى تفكير في القول ذاته ، فما يسمعه صحيح لأنه قائله هو رمزه ، وهنا إلغاء تام لنعمة العقل ، ورحم الله على بن أبي طالب القائل ( اعرف الحق تعرف أهله )
من الطبعي أن تتحقق هنا بموثوقية ( المعادلة الصفرية ) وهي تلك المعادلة التي تقرر بأن الحق معي مقابل خلوها عن الطرف الآخر ، فكل تيار يزعم بأنه مالك للحق المطلق ، بيد أن خصمه في الحوار لا يملك ذلك ، ومن هنا يموت الحوار قبل أن يبدأ ، أو يكون حوارا أشبه بحوار الطرشان ، لا يسمع أحدهما الآخر ، بل أنه أكثر من ذلك فالصمم هنا إرادي .

أنتجت هذه الإشكالية داء التعصب بين كل الأطياف ، واستتبع ذلك عبارات الاتهام والتخوين والتجهيل ، ورأينا جمل الشتم والذم ، والإلغاء بينهم عبر قوالب شتائمية جاهزة ، فلا ينظرون إلى القول بل إلى القائل ، وهو ما يعرف بـ ( شخصنة ) الحوار ، فالاحتراب بين الشخصيات مع استبعاد ما يصدر عنها ، فمن النادر بين كل التيارات أن ترى نقاشا علميا رزينا يتحلى بأدبيات الحوار ، وكأن كيل الاتهامات أساس من أسس الحوار في ثقافتنا الحاضرة ، على أن أسلافنا كانوا أكثر حضارية منا اليوم ، ونظرة سريعة إلى الموروث يكشف عن ذلك . " الله يصلح الحال " والسلام

alazdi
16-06-2007, 06:06 PM
الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
لقد أجاد الكاتب في الموضوع وفي اختيار عنوانه، أوافقه في بعض ما قال وأخالفه في البعض.
أما الموافقة ففي التالي /
ان مجتمعنا يبدو على غير حقيقته ،ولعل ما ذكره الكاتب إنما هو غيض من فيض ، أو يجوز لي ان أقول إنما وقف عليه الكاتب ، إنما هو رأس جبل الجليد ، وما خفي تحت الماء أعظم بكثير.
وأشاركه الرأي ان هذا من فعل النخب ،واحسبه انه ينبغي ان يكون كذلك ،فليس من شان العامة التعرض لمثل هذا ، ولكن ان يذهبوا به هذا المذهب من تعديته إلى الأتباع ، وإشاعته في العامة بحيث يفضي إلى الاحتراب...الخ، فليس من مصلحة الأمة.
وأوافقه في تحجر الأتباع في الأخذ بقول المتبوع ، وعدم عرضه على الأصلين الكتاب والسنة ، ولعل تربية أولئك كانت قائمة على عدم النظر والتأمل فيما يقوله شيخ الطريقة ، بينما أسلافنا رضي الله عنهم اثر عن بعضهم قوله : اعرضوا قولي على كتاب الله وسنة رسوله فما كان موافقا لهما فخذوه وما خالفهما فارموا به عرض الحائط ، واثر عنهم : قولي صواب يحتمل الخطاء وقول غيري خطاء يحتمل الصواب .

وأخالفه في التالي /
ان هذا ليس بدعا من الأمر ، فقد كانت تقام المناظرات بين أعلام من أهل السنة والجماعة ، وأعلام من المعتزلة مثلا ، وكان لكل فريق أتباعه ، ولكن كانت تنتهي من حيث بدأت بانصراف كل فريق إلى مصالحه وأشغاله في المجتمع، ولم تصل إلى درجة الاحتقان الموجود اليوم ، للتنشئة الصحيحة عندهم ،كما احسب.
وأيضا كانت التصنيفات موجودة ، مثلا /سلفي ، اشعري ، ماتريدي ، معتزلي ...الخ، فالأمم قبلنا افترقت إلى إحدى وسبعين ، والى اثنتين وسبعين ، وهذه الأمة إلى ثلاث وسبعين ، ولكن من العار ان يأتي صاحب الباطل ويجاهر بباطله ، ومن ثم يطلب الحماية من جماهير الأمة ذات الاتجاه الغالب.
ولعل من جبل الجليد المختفي المذكور أعلاه ما نسمعه من ألفاظ : قبيلي ، خضيري ، نجدي ، حجازي ، جنوبي ، صلبي ، بلحطي ، هتيمي ، شدني ، لحجي ، حقاوي ، خدمي ...الخ ، ولعل المقام لا يسعفني للاستطراد ، فابحث وتجد عجبا ، وهذا النوع من التصنيف ليس حكرا على فئة بعينها بل يشمل النخب وغيرهم فهم فيه سواء ، ولكن هذا التصنيف يخضع للعرق ، وليس لأحد فيه حيلة ، وأمره حسم شرعا (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم) .