الرئيسية | دليل الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية | دليل الجامعات والكليات والمعاهد الاهلية | مركز الرفع | البحث | التسجيل | اعلن معنا
 

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe 

Flash player

 
عدد الضغطات : 3,542
عدد الضغطات : 14,338

مستعمل
سوق الإنترنت العربي
سوق - بيع - شراء

روابط مفيدة : استرجاع كلمة المرور| طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية


العودة   منتدى الجامعات السعودية > قاعات المنتدى العام > قاعة الكتب الإلكترونية > مكتبة كتب سياسية

آخر زيارة لك كانت: اليوم الساعة 04:53 PM  
بحث مخصص
عدد الضغطات : 4,901رفع الملخصات
عدد الضغطات : 3,882
إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
#1  
قديم 03-06-2012, 05:03 PM
إداري قدير
عبد الله الجبرتي غير متصل
Saudi Arabia     Male
لوني المفضل Chocolate
 رقم العضوية : 11
 تاريخ التسجيل : Jul 2005
 فترة الأقامة : 3188 يوم
 أخر زيارة : 09-02-2014 (02:36 PM)
 المشاركات : 4,029 [ + ]
 التقييم : 15360
 معدل التقييم : عبد الله الجبرتي تم تعطيل التقييم
بيانات اضافيه [ + ]
فقرات من كتاب ( حلف المصالح المشتركة )



فقرات من كتاب ( حلف المصالح المشتركة )

التعاملات السرّية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة (1-2)
تأليف د. تريتا بارزي

تمهيد: هذه فقرات من كتاب تريتا بارزي الكاتب الإيراني/ الأمريكي رئيس المجلس الوطني الأمريكي الإيراني والمدرس بجامعة هوبكنز بالولايات الأمريكية المتحدة، ونهدف من نقل هذه الفقرات تقديم لب هذا الكتاب القيم والذي يتناول تاريخ العلاقات بين مثلث أمريكا إسرائيل إيران، والتحولات السياسية ومستقبل العلاقات.
ليكون القارئ المسلم والعربي على اطلاع متجدد بالدراسات الرصينة حول الموضوع من مصادر تحسب على أعضاء المثلث نفسه!
ننبه إلى أن عناوين الفقرات من وضعنا وليست من الكتاب. الراصد



أولاً : علاقات إيران و اسرائيل

إسرائيل ترفض اغتيال الخميني زمن الشاه!
فرّ الشاه، وسلّم شهبور بختيار مقاليد السلطة، وهو معارض بارز لحكم الشاه ولم يكن موضع ثقة الشاه، ولا الإسلاميين، ولا اليساريين. عرض الموساد دعمه على بختيار الذي ألمح إلى أنه سيكون مفيداً قيام إسرائيل "بإسكات الخميني"، وهو آية الله الإيراني المتشدد الذي تزعّم المعارضة في وجه الشاه من مقره خارج باريس. وعرض بختيار نصح الشاه بالتقدم بالطلب مباشرة إلى تل أبيب، ولكن إسرائيل رفضت طلب بختيار، مذكّرة رئيس الوزراء الإيراني الجديد بأن إسرائيل ليست شرطي العالم. (انقلبت الأدوار بعد عقد من ذلك. فاستناداً إلى تقارير صحفية، دخل عملاء إيرانيون منزل بختيار بباريس ـ حيث كان لاجئاً ـ وقتلوه بوحشية).
(ص122)

إسرائيل تتودد إلى ثورة الخميني!
بعد شهور قليلة فقط على انتصار الثورة، وبالرغم من قطع العلاقات، عرضت تل أبيب إعادة عدد من الدبابات الإيرانية أميركية الصنع والتي كان الشاه قد شحنها إلى إسرائيل من أجل تحديثها، وقبلت إيران ذلك العرض. وسعت إسرائيل بعدة طرق إلى التودد إلى حكومة الخميني، ولكنها وجدت أن مشاعر مختلطة تنتاب طهرا إزاء مدى فائدة الدولة اليهودية.
(ص140)

وزير إيراني يزور إسرائيل لشراء الأسلحة بداية حكم الخميني!
في مستهل العام 1980، أي بعد شهور من اندلاع أزمة الرهائن، قام أحمد كاشاني، النجل الأصغر لآية الله العظمى أبو القاسم كاشاني الذي لعب دوراً رئيسياً في تأميم صناعة النفط الإيرانية في العام 1951، بزيارة إسرائيل ـ وعلى الأرجح أنه كان أول إيراني يقوم بذلك بعد الثورة ـ لمناقشة مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري ضدّ البرنامج النووي العراقي في أوزيراك. بالرغم من أنه عرّف عن نفسه بأنه "مواطن غير رسمي قلق"، أثمرت رحلته عن موافقة بيغن على شحن إطارات لطائرات الفانتوم المقاتلة إضافة إلى شحن أسلحة إلى الجيش الإيراني. جاء قرار بيغن متناقضاً تماماً مع مصلحة الولايات المتحدة وسياسة واشنطن الصريحة القائمة على فرض عزلة على إيران لتأمين تحرير الرهائن الأميركيين. انتاب كارتر الحنق من عدم تحسس بيغن للآلام التي كنت تعاني منها أميركا. وبعد تبادل عنيف للعبارات بين الرئيسين العنيدين، وبّخ كارتر إسرائيلّ بتعليقه المبيعات المستقبلية من قطع الغيار للدولة اليهودية.
لكنّ تحدّي بغين آتى ثماره، فقد بادل آية الله الخميني الخطوة الإسرائيلية بالسماح لعدد كبير من اليهود الإيرانيين بمغادرة إيران. عبر الآلاف منهم نحو باكستان باستخدام الحافلات، ومن هناك، جرى نقلهم بواسطة الطائرات إلى أستراليا حيث سُمح لهم بالهجرة إلى الولايات المتحدة أو إلى إسرائيل. واستناداً إلى محمد رضا أمين زاده، وهو مسؤول إيراني فرّ من البلاد في العام 1985، أجرى عقيدة في الجيش الإسرائيلي اسمه يوري المفاوضات على الصفقة، والذي زار إيران في مستهل العام 1980.
كشف استعداد إيران للتعامل مع إسرائيل كيف أن المآزق التي كانت تعاني منها طهران حدّت من قدرتها على متابعة أهدافها الإيديولوجية. خلال هذه المرحلة المبكرة، أظهر الثوريون ميلاً إلى وضع الإيديولوجية جانباً لتقديم أمنهم ومصالحهم الخاصة. في لحظة معينة، قام أحد المقربين من آية الله الخميني بإخباره بأن هناك شحنة كبيرة من الأسلحة تفكر إيران بشرائها ومصدرها إسرائيل. سعى هذا الشخص إلى الحصول على موافقة آية الله الخميني على المضي قدماً في صفقة الشراء. وسأل آية الله الخميني إن كان من الضروري مناقشة مصدر الأسلحة والاستعلام عنه عند القيام بعملية الشراء، فأجاب ذلك الشخص بالنفي. فردّ عليه آية الله الخميني بهدوء، "إذاً، نحن لا نبالي".
بدا وضحاً بشكل متزايد أن خطاب إيران المعادي لإسرائيل لا يتطابق مع سياستها الفعلية. ففي الوقت الذي كانت إيران تتعامل فيه سرّاً مع الحكومة الإسرائيلي، كانت تدين علناً الدولة اليهودية، وتشكك في حقها في الوجود. على سبيل المثال، دعا وزير الخارجية الإيراني في 14 أغسطس/ آب 1980 إلى وقف مبيعات النفط إلى الدول التي تدعم إسرائيل. وبعد صخب كبير، لم يتم تنفيذ ذلك التهديد. ويشرح خبير في قضايا السياسة الخارجية الإيرانية يقيم بطهران المسألة فيقول: "لعبت المعارضة الإيديولوجية لإسرائيل دوراً لصالح هذا النظام قبل انتصار الثورة. وبعد أن تولّى الثوريون السلطة، تصرفوا بناء على مبادئ مختلفة. إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية للحكومة الثورية كانت "المعارضة الخطابية لإسرائيل، والتعاون العملي... مع الدولة اليهودية".
من الواضح، أن الترتيبات لم تكن مثالية بالنسبة إلى إسرائيل، لكن منطق المبدأ المحيطي أرغم إسرائيل على التودد إلى الإيرانيين. فتصاعد شعبية السادات في الولايات المتحدة، وعلاقات بيغن الخاصة المجمّدة مع كارتر، عقّدا الخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية. فإذا كان التقارب الأميركي العربي بعد كامب ديفيد سيتعزز أكثر، فإن حاجة إسرائيل إلى ثقل موازِن إقليمي للعرب ـ إيران ـ سيزداد تبعاً لذلك. لذلك، كان من الضروري إبقاء الأبواب مفتوحة للفوز بإيران مجدداً. ويعلّق غاري سيك، الذي خدم في مجلس الأمن القومي الأميركي في ذلك الوقت، على ذلك بالقول: " من منظور إسرائيلي، كانت تلك خطة استراتيجية بعيدة المدى، كانت تلك السياسة المحيطية. كانوا يحاولون تكرار التجربة الأثيوبية مع إيران" . لكن في 22 سبتمبر/ أيلول 1980، تحققت تكهنات الشاه بأن صدام حسين سيهاجم إيران عندما يُعطى الفرص؛ بعد خمس سنين فقط من التوقيع على اتفاقية الجزائر. وبدلاً من أن تجد إسرائيل نفسها أكثر اعتماداً على إيران، كانت طهران هي التي وجدت نفسها فجأة في حاجة ماسة إلى قدرة إسرائيل على الحصول على الأسلحة الأميركية.
(ص 141 ـ 143)

جوهر السياسة الإيرانية!
انسجمت الحقيقة مع الإيديولوجيات في طهران. فبغزو إيران، جسّد صدام حسين الخطر العربي الذي يهدد إيران، وزاد من تأثير القوى الجيوسياسية التي أوجدت المحور الإسرائيلي الإيراني قبل عدة عقود. يمكن للحماسة الإيديولوجية أن تدافع عن إيران إلى حدّ معين، ودار جدال بين الثوريين بكثافة داخل الدوائر المغلقة حول ما إذا كان يوجد شيء اسمه "مصلحة قومية" أو ما إذا كان ينبغي على الإيديولوجية وحدها أن تملي على الدولة أفعالها. مع تزايد الصعوبات الناشئة عن الحرب، مالت النقاشات بشكل متزايد إلى البراغماتية. وبالرغم من أن هذا الميل لم يبدأ إلاّ في الشهور التي تلت انتصار الثورة، فقد زاد اعتداء صدام وعزلة إيران من حدّة التحوّلات في السياسة الخارجية الإيرانية ـ في سلوكها وليس في خطابها ـ بعيداً عن الإيديولوجية ونحو النهج العملي والمنفعة الذاتية. في النهاية، لم يعد في مقدور إيران صدّ الجيش العراقي الغازي بدون توسيع قنواتها مع إسرائيل وواشنطن من أجل شراء الأسلحة وقطع الغيار للعتاد الحربي المنوع في الولايات المتحدة.
بعد أن بدأ مفهوم المصلحة القومية يفرض هيمنته، بدأ العديدون يجادلون بالحاجة إلى فتح قنوات مع الولايات المتحدة، وحتى استخدام وسطاء إسرائيليين إذا لزم الأمر. لكن كان يتعين الإبقاء على كافة الاتصالات مع الإسرائيليين سرّية لأن القنوات المفتوحة ستقوّض مصداقية إيران الإيديولوجية. لكن بدلاً من الرجوع إلى أنماط السياسة الأولى التي كان يتّبعها الشاه في تحالفه مع إسرائيل ومع الغرب، توصل الثوريون إلى استنتاج مختلف، وهو استنتاج أقرب إلى طريقة الشاه في التفكير بعد التوقيع على اتفاقية الجزائر، وهو أن غزو صدام ـ الذي لم يكن بأي حال سيقنع إيران بالتخلّي عن فكرة التقرّب من جيرانها العرب والسنّة وربط مصيرها بمصير إسرائيل ـ قوّى على نحو يوحي بالتناقض من اعتقاد حكومة آية الله الخميني بأن التوصل إلى تسوية مع العرب عامل حيوي في أمن إيران الدائم والبعيد المدى.
برزت من المأزق الاستراتيجي لإيران ـ مع جذب كل من القوى الإيديولوجية والاستراتيجية السياسةَ الخارجية الإيرانية في اتجاهات مختلفة ـ استراتيجية متعددة المراحل لا تزال تربك المحلّلين السياسيين والقادة الأجانب على حدِّ سواء. فبدلاً من تفضيل إيجاد توازن مع العرب عبر التحالف مع إسرائيل، أو السعي إلى التوصل إلى تسوية مع العرب عبر تولّي الدور الريادي في مواجهة إسرائيل، اختارت طهران القيام بالأمرين معاً عبر التمييز بين سياستها العملانية وخطابها العلني. فمن ناحية، تعاونت إيرانُ سرّاً مع إسرائيل في المسائل الأمنية، ورفعت حدّ خطابها المعادي لإسرائيل إلى مستويات أعلى بكثير للتغطية على تعاملاتها معها. هدفت هذه السياسة، التي ربما برزت كحل وسطي بين الفصائل ذات الدرجات المتفاوتة من الحماسة الإيديولوجية داخل الحكومة، إلى جعل المصالح الإيديولوجية والاستراتيجية يقويّ بعضها البعض الآخر. تضمنت لائحة الأهداف ضمان الأمن بعيد المدى بوصفها دولة غير عربية في الشرق الأوسط، وإيجاد مكانة متفوقة في المنطقة بالرغم من الانقسام العربي ـ الفارسي أو السنّي ـ الشيعي، وأخيراً، النقاوة الإيديولوجية لحماية هوية الثورة واستخدام الإيديولوجية الإسلامية لإيران كوسيلة لتسهيل بلوغ الهدفين السابقَين.
(ص 148 ـ 149)

ضرب الشعوب العربية بحكوماتها من سياسات إيران!
لكن الإسلام السياسي والمعارضة لإسرائيل خدما غايات استراتيجية أيضاً. فبعد الفشل في تصدير الثورة وإسقاط الأنظمة في الدول العربية المجاورة، سعت إيران إلى استغلال وتوسيع الفجوة بين الشعوب العربية ـ الشارع العربي ـ وبين والحكومات الفاسدة وغير الشعبية عبر استجداء الاعتزاز الديني لدى العرب وشعورهم بالإحباط من عجز الحكومات العربية إزاء إسرائيل والقوى العظمى.
(ص 150)

العراق هو الخطر على إيران!
لكن خطاب إيران العنيف الموجّه ضدّ إسرائيل كان مجرّد خطاب؛ كلمات. ففي انتصار للواقعية على الإيديولوجية، كانت إيران حريصة على عدم ترجمة هذا الخطاب إلى أفعال ملموسة، لأن إيران لا تتحمل الدخول في مواجهة مع الدولة اليهودية في غمرة حربها مع العراق. في هذا الصدد، قال لي نائب وزير الخارجية الإيراني السابق عباس مالكي: "كان صنّاع السياسة الإيرانية أذكى من أن يجعلوا من إسرائيل خطراً مباشراً على إيران، لأنه في ذلك الوقت، كان العراق هو الخطر".
( ص 151)


حقيقة سياسة إيران ودور حزب الله!
ففي العام 1986، اندلعت اشتباكات بين حزب الله والحزب القومي السوري الاجتماعي الموالي لسوريا نتيجة للجهود سوريا الهادفة إلى إخضاع حزب الله لسيطرتها. وهذا ما وضع حليف إيران بلبنان على طرفي نقيض مع حليف إيران ضدّ العراق، فاختارت طهران الحليف الثاني. جدد قرار آية الله الخميني التأكيد على الأهداف الإيديولوجية لإيران مع ضمان عدم متابعة تلك الأهداف بطريقة نشطة بالضرورة. سيبقى تحرير القدس أداة خطابية للفوز بالشرعية في العالم العربي، ولكنه ليس قيمة مثالية في حدّ ذاتها ينبغي السعي إليها عبر القيام بأعمال ملموسة، لكي لا تتعرض حاجات إيران الأمنية قصيرة المدى إلى الخطر. يجادل نائب وزير الخارجية السابق وازي، بالقول: "جدد التأكيد على أن سياستنا تجاه المنطقة تملك جانباً ناعماً وآخر قاسياً للقوة. إننا نعبّر دائماً عن آرائنا ومعتقداتنا. لكن ذلك لا يعني أننا بحاجة إلى تجسيد تلك الآراء في سياستنا الفعلية" . بتجنّب التورّط بشكل مباشر في القضية الفلسطينية، يمكن لإيران مراعاة حاجاتها الأكثر إلحاحاً. ويصرّ نائب وزير الخارجية السابق عباس مالكي على القول بأنه "كان قرارً استراتيجياً عميقاً. ولو أن آية الله الخميني لم يعارض في ذلك الوقت هذه الخطوة، لما كانت إيران ستتمكن من مقاتلة صدام". يمكن فهم المعارضة الشديدة المتفجرة لإسرائيل ـ التي كانت إيران في أمسّ الحاجة إليها للحصول على إمدادات من الأسلحة ـ بدون ترجمة ذلك الخطاب إلى جهود عملية فقط على ضوء مركزية طموحات إيران إلى قيادة العالم الإسلامي.
الأهم من ذلك ربما هو أن دعم إيران لحزب الله كان مدفوعاً بجهودها الهادفة إلى نشر نموذجها الإسلامي السياسي لكي تتبوأ مركزاً قيادياً في العالم الإسلامي أكثر مما كان مدفوعاً بمعارضة إسرائيل. يشرح سفير إيران لدى لبنان الأمر فيقول: "إذا ركّزنا على النقطة التي تقول بأن لبنان يعتبر قلب البلدان العربية في الشرق الأوسط، ومنصة يجري توزيع الأفكار المختلفة إلى باقي أنحاء العالم العربي انطلاقاً منها، يمكننا الاستنتاج بأن وجود حركة إسلامية في ذلك البلد سيثمر عن ظهور حركات إسلامية في مختلف أنحاء العالم العربي.
( ص 152ـ 153)

إسرائيل تساند إيران في حربها مع العراق!
بعد مرور ثلاثة أيام على دخول القوات العراقية الأراضي الإيرانية، قطع موشي دايان زيارة خاصة كان يقوم بها إلى فيينا لعقد مؤتمر صحفي لحثّ الولايات المتحدة ـ في غمرة أزمة الرهائن ـ على نسيان الماضي ومساعدة إيران على مواصلة دفاعها عن نفسها. بعد ذلك بيومين، قال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي موردخاي زيبوري لصحيفة معاريف الإسرائيلية بأن إسرائيل ستقدم مساعدات عسكرية لإيران في حال غيّرت موقفها العدائي من الدولة اليهودية: "يمكن لإسرائيل أن تقدم مساعدات هامة لإيران وأن تمكّنها ـ من وجهة نظر لوجستية ـ من مواصلة حربها مع العراق. بالطبع، هذا لا يمكن أن يحدث طالما أنه لم يطرأ تغيير جدّي في النظام الإيراني المتطرّف".
تنقلت إسرائيل برشاقة على عدة جبهات. ففي زيوريخ، أفيد بأنه تم عقد لقاء جمع بين مسؤولين إيرانيين وإسرائيليين لإبرام صفقة أسلحة. وهناك، ناقش العقيد الإسرائيلي بن يوسف ونظيره الإيراني العقيد زارابي، مدير المجمّع الصناعي العسكري بإيران اقتراحات كثيرة، منها اتفاق يسمح لتقنيين إسرائيليين بتدريب الجيش الإيراني على تعديل العتاد الحرب أميركي الصنع بيحث يتلاءم مع قطع الغيار إسرائيلية الصنع، وفي واشنطن، حثّ السفيرّ الإسرايلي لدى الأمم المتحدة، إفراييم إيفرون، وزيرَ الخراجية الأميركي إدموند موسكي على تليين موقف إدارة كارتر من مبيعات الأسلحة إلى طهران مع نقل هواجس تل أبيب من مضامين الانتصار العراقي. وعلى العكس من رغبات واشنطن، تراجع بيغن عن الوعد الذي قطعه لكارتر واستأنف مبيعات الأسلحة وقطع الغيار لإيران.
(ص155)

إيران تساعد إسرائيل على ضرب المفاعل النووي العراقي سنة 1981م!
لم تتخلَّ إسرائيل عن فكرة إعادة بناء علاقاتها مع طهران. ربما كانت اتصالات إسرائيل المكثفة مع الجيش الإيراني هي التي مهدت الطريق أمام أكثر تدخلات إسرائيل حسماً في الحرب. ففي 7 يونيو/حزيران 1981، أقلعت، ثماني طائرات إسرائيلية من طراز أف ـ 16 وأربع طائرات من طراز أف ـ 15 قاعدة إتزيون الجوية في ما أُطلق عليه العملية أوبرا. كان هدف تلك المهمة مفاعل البولتونيوم البحثي العراقي في أوزيراك والذي يُشتبه في أنه يُستخدم في تطوير موادّ لصنع أسلحة دمار شامل. أدّت الضربة الجوية إلى تدمير موقع المفاعل بسرعة، وأعادت برنامج الأسلحة النووية العراقي عدة سنين إلى الوراء. عادت جميع الطائرات إلى إسرائيل سالمة مع الغسق في عملية اعتّبرت خالية من الأخطاء، واستناداً إلى صحيفة صنداي تلغراف اللندنية، استعانت إسرائيل بصور فوتوغرافية وخرائط إيرانية للمنشآت النووية. كان هجوم أوزيراك قد نوقش من قبل ضباط إسرائيليين كبار ومندوب عن نظام آية الله الخميني بفرنسا قبل شهر من تنفيذه، استناداً إلى آري بن ميناشي الذي شارك عن قرب في الاتصالات الإسرائيلية الإيرانية في مستهلّ الثمانينيات. في ذلك الاجتماع، شرح الإيرانيون تفاصيل هجومهم غير الموفّق على الموقع في 30/ سبتمبر/ أيلول 1980، ووافقوا على السماح للطائرات الإسرائيلية بالهبوط في مطار إيراني بتبريز في حال الطوارئ. وسواء لعبت إيران دوراً في قصف أوزيراك أم لا، استغلّ العراق الهجوم الإسرائيلي في دعايته الهادفة إلى تقويض الجهود التي تبذلها إيران لإعطاء دورها القيادي في العالم الإسلامي صبغة شرعية. قال العراقيون بأن إيران تخوض حرباً إسرائيلية.
(ص 157 ـ 158)

إسرائيل هيئت المناخ لتصدير ثورة إيران للبنان!
كان العالم في العام 1983 مكاناً مختلفاً عما هو عليه اليوم. ففيما كان دونالد رامسفيلد، المبعوث الخاص للرئيس ريغان، يغدق الثناء على صدام حسين ببغداد، كانت إسرائيل تحثّ واشنطن على عدم الالتفات إلى الدعوات الإيرانية التي تطالب بتدمير الدولة اليهودية، وكان المحافظون الجدد يخططون للتقارب مع نظام الخميني، فيما كانت إيران ـ وليس الولايات المتحدة ـ تُعتبر بعيدة عن الواقع بتخيّلها بروز هلال شيعي.
بدلاً من مواجهة نفوذ إيران في المنطقة، وتحذير الغرب من الهيمنة الإيرانية، سلّمت إسرائيلُ إيرانَ عن غير قصد ـ باجتياحها لبنان ـ نجاحها الوحيد في تصدير ثورتها إلى العالم العربي. بدأ الاجتياح الإسرائيلي في 6 يونيو/ حزيران 1982 ردّاً في الظاهر على محاولة مسلّحين فلسطينيين اغتيال شلومو أرغوف، سفير إسرائيل لدى المملكة المتحدة. غير أن أرييل شارون، الذي كان حينها وزير الدفاع في إسرائيل، كان يخطط لاجتياح لبنان منذ عدة شهور بغرض التخلّص من وجود منظمة التحرير الفلسطينية هناك؛ منذ أواخر العام 1981 على أقل تقدير. مع أن منظمة التحرير كانت ملتزمة بوقف إطلاق النار منذ صيف العام 1981، حسب شارون ورئيس الوزراء مناحيم بغين أنه في حال استطاعا القضاء على وجود المنظمة بلبنان، فسيتمكنا من عكس ميل القوة الدبلوماسية المتنامية للمنظمة، وإخماد الشعلة الفلسطينية الوطنية داخل الأراضي المحتلّة.
جنوب لبنان موطن تقليدي للطائفة الإسلامية الشيعية المحرومة بلبنان. كان الشيعة مستائين من منافسة اللاجئين الفلسطينيين لهم على الموارد المحلّية، وكذلك كانوا مستائين من تصرفات منظمة التحرير في الجنوب. لكنّ الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، وطول المدة التي بقي فيها الإسرائيليون في الجنوب، وإنشاؤهم للمنطقة الأمنية أشعر الشيعة بالخوف، وسرعان ما ثاروا على إسرائيل لأنها حرمت الشيعة من إمكانية الوصول إلى الأسواق الجنوبية، وبدأت تغرق اقتصادهم المحلّي بالبضائع الإسرائيلية، مما ألحق أضراراً جسيمة بالمصالح الاقتصادية المحلّية. بالإضافة إلى ذلك، ألحق الاجتياح الإسرائيلي الكثير من الدمار بلبنان، ولم يعمل سوى على زيادة مأساة اللبنانيين الذين كانوا يعانون أصلاً من حرب أهلية استمرّت سبع سنين. قُتل نحو من 20.000 لبناني في ذلك الاجتياح، وشُرّد 150.000 آخرون. وفي سبتمبر/ أيلول 1982، نُفذت مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين ببيروت. وبموافقة إسرائيلية ضمنية، اغتصب في تلك المجزرة، وقتل، وشوّه عدة آلاف من اللاجئين المدنيين.
هذه المحنة التي عانى منها الشيعة في ظل الاحتلال الإسرائيلي جعلتهم أكثر تقبّلاً لرسالة طهران. في مواجهة خصم إسرائيلي قوي، احتاج الشيعة إلى حليف خارجي، وكانت طهران أكثر من مستعدّة للعب هذا الدور؛ ليس بدافع من مشاعرها المعادية لإسرائيل بل لإيجاد معقل قوي لها في دولة عربية. كانت طهران في أمسّ الحاجة إلى تصدير ثورتها. وهي فشلت في ذلك في العراق بالرغم من أن أغلب السكان هم من الشيعة. والآن، وبفضل الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حصلت إيران على فرصة لزرع بذور ثورة إسلامية في المشرق، ومن رحم الاجتياح الإسرائيلي وُلدت حركة شيعية جديدة ونشيطة تستلهم من الثورة الإيرانية. بدأت الحركة بعدد صغير من المجموعات المسلحة من الشباب المنظمين تحت راية الإسلام، وكرّست نفسها لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي. مع مرور الوقت، توحّدت هذه المجموعات ـ من خلال المعونات والمساعدات الإيرانية ـ ضمن ما تبيّن أنه أكثر أعداء إسرائيل منعة؛ حزب الله اللبناني.
(ص 161 ـ 162)

نفاق السياسة الإيرانية!
من جانبهم، أنكر الإيرانيون بشدّة إجراء أية مفاوضات مع الإسرائيليين، فأعلن رفسنجاني في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني بأننا "لم نفاوض إسرائيل أبداً... من أجل شراء أسلحة. وفي حال تبين لنا أن الأسلحة التي وصلتنا جاءت عبر إسرائيل، فلن نستخدمها في جبهات القتال". لكن رفسنجاني أوضح بأن إيران لا تزال على استعداد لتحرير الرهائن الأميركيين في لبنان في حال قامت واشنطن بتسليم الأسلحة التي اشتراها الشاه الراحل. وطالبت العناصرُ اليسارية بإيران بفتح تحقيق، لكن بعد استشعار آية الله الخميني بالضرر الذي سيلحقه الكشف عن الاتصالات الإيرانية الإسرائيلية بصورة إيران في العالم الإسلامي، تدخّل شخصياً ووضع حداً للمطالب بفتح تحقيق.
مع فتح تحقيق أو بدونه، كان ضرر كبير قد وقع أصلاً. فقد نفّست الدول العربية عن غضبها من واشنطن لدعمها إيران من خلال إسرائيل ضدّ صدام حسين. بالنسبة إلى بعض الدول، كانت الإيديولوجية الأصولية لإيران أشدّ خطراً من إسرائيل. والنتيجة هي أن هذه القضية وضعت العلاقات العربية الإيرانية على مسار لولبي هابط. فقد أصبحت العلاقات مع بعض الدول العربية غير قابلة للإصلاح. جاء ردّ طهران متوقعاً؛ المزيد من الشجب لإسرائيل ولكافة الحكومات العربية التي تفكر في التفاوض مع الدولة اليهودية. حتى أن آية الله الخميني هاجم منظمة التحرير الفلسطينية في العام التالي عندما اعترفت بإسرائيل مجادلاً بأن "تقسيم فلسطين أمر غير مقبول" وأنه يمكن إقامة دولة فلسطينية فقط عندما "يتم سحق الصهاينة واستعادة الأراضي التي سلبوها". لكن مع ظهور المدى الكامل لتعاملات إيران مع إسرائيل على العلن، باتت التصريحات الإيرانية الشاجبة في غير محلها.
(ص 181)

تحولات سياسة إسرائيل نحو إيران!
جوهر الاستراتيجية الموجّهة لإسرائيل منذ أيام من غوريون؛ المبدأ المحيطي. بالسعي إلى التوصل إلى سلام مع الدول العربية المجاورة لإسرائيل وتصوير دولة محيطية رئيسية ـ إيران ـ بأنها خطر، قلَب رابين وبيريز المبدأ المحيطي رأساً على عقب. كان التحول مثيراً للدهشة على الخصوص لأن بيريز ورابين قادا قبل بضع سنين فقط جهوداً لتحسين العلاقات بين الرئيس الأميركي رونالد ريغان ونظام آية الله الخميني بإيران. دافع بيريز عن موقفه الجديد بالمجادلة بأنه ـ بوصفه أحد الشخصيات المحظية لدى بن غوريون ـ لم يتغّير بل العالم هو الذي تغير. وبدلاً من الاعتماد على المحيط في موازنة العرب، أدى الضعف الذي اعترى العرب، وقوة المحيط، والقوى التي ضغطت في اتجاه بناء نظام جديد إلى وضع إسرائيل وإيران على طرفي متقابلَين في المعادلة الجيوسياسية الجديدة. كان ذلك المسمار الأخير في نعش مبدأ المحيط؛ فلقد بات المحيط الفارسي هو الذي يمكن أن يشكل الآن خطراً على الدولة اليهودية، وليس الجوار العربي. ففي النهاية، جاء الدور الذي تصوّره بيريز لإسرائيل في الشرق الأوسط الجديد على حساب إيران. ولكي تحتل إسرائيل المركز الرئيسي في الشرق الأوسط الجديد، ينبغي أن تبقى إيران على الهامش السياسي للمنطقة ويجب أن تستمر محرومة من الدور الذي تعتقد بأنها تستحقه. يشرح ديفيد ماهوفسكي، وهو خبير في السياسة الخارجية الإسرائيلية، هذا الوضع الجديد بالقول: "ما من شك في أنه عندما برزت احتمالات التوصل إلى سلام مع الدائرة الضيقة، برز تصوّر إيران بأنها خطر".
(ص 225ـ 226)

دفاع إسرائيل عن إيران الخميني في الثمانينات!
شهد المثلث الإسرائيلي الأميركي الإيراني تحولاً ملحوظاً في سنوات قليلة. ففي الثمانينيات، كانت إسرائيل المدافع غير المتوقَّع عن إيران والذي يختلق الأعذار لها بواشنطن، والمجازف الكبير في الضغط على إدارة ريغان لكي تفتح قنوات اتصال مع إيران. الآن، قامت إسرائيل بالعكس تماماً. أرادت إسرائيل من الولايات المتحدة أن تفرض حصاراً اقتصادياً وسياسياً على إيران. أي أن الشرق الأوسط الجديد الذي تحدث عنه شمعون بيريز والسياسة الأميركية القائمة على الاحتواء المزدوج التي دخلت حيز التأثير في العام 1993 بعد أكثر من عام على الضغوط الإسرائيلية وضعا عزلة إيران في إطار قانوني.
(ص 254 ـ 255)

حقيقة التهديد الإيراني لإسرائيل!
أهم خطر أوجدته إيران على إسرائيل بعد العام 1996 كان قدرتها على البروز كقوة إقليمية يمكنها تحدّي الاحتكار العسكري والنووي الإسرائيلي والحدّ من قدرة الدولة اليهودية على المناورة السياسية والعسكرية. لم يكن بالضرورة أن يكون التعرض لهجوم نووي إيراني في حدّ ذاته على قمة لائحة المخاوف الإسرائيلية. فإيران لا تفتقر إلى هذه القدرة وحسب، بل وحتى عندما أصبح برنامج إيران الصاروخي عملانياً، لم يكن في مقدورها تدمير إسرائيل بدون أن تجلب الدمار على نفسها بسبب قدرة إسرائيل على توجيه ضربة ثانية. فمن خلال غواصاتها النووية الألمانية الصنع، ستكون إسرائيل قادرة على الثأر من هجوم نووي تشنّه عليها إيران، مما يوفر لإسرائيل قوة ردعية منيعة. يقول غيسين" "بغض النظر عن الإجراء الذي يتخذونه، لا يمكنهم تدمير قدرة إسرائيل على الردّ". لكن يمكن لإيران الصاعدة على أقل تقدير أن تتحدى التصوّر القائم على تفوق إسرائيل العسكري وعلى قدرتها على المناورة التي تحلّت بها نتيجة لهذا التصوّر. ويجادل عموس جلعاد بأن ذلك "سيعرض للخطر صورتنا بأننا قوة عظمى لا يمكن إنزال الهزيمة بها".
(ص 292)


ثانياً: إيران والقضية الفلسطينية

رفض إيران لعملية السلام لأنها عزلتهم!
على الرغم من خطاب إسرائيل الموجّه ضدّ رجال الدين وإيديولوجية الإسلاميين التي لا يمكن التصالح معها، فهم العديد من الإسرائيليين الحسابات الاستراتيجية التي تقف خلف معارضة إيران للعملية السلمية. فقد أقرّت واشنطن وتل أبيب بأن العملية السلمية والجهود الدبلوماسية التي تبذلها إسرائيل لتشكيل نظام جديد في الشرق الأوسط تضرّان بالوضع الاستراتيجي لإيران. فخطوط التقسيم الجديدة للشرق الأوسط أصبحت بين أولئك المنضوين في عملية أوسلو وأولئك الذين هم خارجها. يمكن أن يؤدي السلام مع الفلسطينيين إلى سلام مع سوريا، وهذا بدوره يجعل ميول العالم العربي تصبّ في خانة إسرائيل، ويزيد من إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة. نتيجة لذلك، ظنّ الإسرائيليون بأن لدى إيران مصلحة استراتيجية في معارضة الجهود السلمية. يقول إتمار رابينوفيتش، الذي كان مستشاراً لدى رئيس الوزراء إسحاق رابين والذي خدم كسفير لإسرائيل لدى الأمم المتحدة: "تخيل أنه تم إبرام اتفاق بين إسرائيل وسوريا في العام 1993، وهو الأمر الذي كان قريب المنال، وأن إيران وجدت نفسها بدون الحليف السوري، وبدون إمكانية الوصول إلى لبنان مما يجعلها تخسر قاعدة لبنان، وأن حدّة التوترات تراجعت بين إسرائيل والفلسطينيين. ستفقد السياسة الإيرانية في الشرق الأوسط العديد من أرصدتها ومواردها. ستبدأ بالتالي تطوير مصلحة لها في إفشال العملية السلمية، وإحدى الطرق الرئيسية لإفشال العملية السلمية هي في العمل مع الجماعات الفلسطينية الأصولية".
لم تكن إيران معرّضة لخطر خسارة تحالفها مع سوريا وحسب، بل وكانت العملية السلمية "ستعزز التواجد العسكري الأميركي في المنطقة، وهو دور تراه إيران خطراً على هدفها المتمثل في بسط هيمنتها الإقليمية"، كما كتب معهد سياسات الشرق الأدنى. ويقول كيث وايزمان من إيباك: "شعرت دائماً بأن الإيرانيين أحسّوا بأنهم مهددون لأسباب جيوسياسية. انظر، كان العرب سيتحلون بمزيد من الثقة بالنفس لأنهم كانوا سيشعرون بأن الإسرائيليين سيدعمونهم الآن في مواجهة إيران، فضلاً عن الأميركيين".
على الرغم من خوف إيران الواضح من العزلة، لم تتكهن واشنطن بأن إيران ستنقلب ضدّ العملية السلمية على النحو الذي قامت به. وبالاستناد إلى مارتن إندك، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق، خشيت الولايات المتحدة من أن يشكّل العراق وإيران محوراً لموازنة الولايات المتحدة، ولإفشال الجهود الهادفة إلى عزلهما. ويشرح ذلك فيقول: "كنا أكثر تركيزاً، في ذلك الوقت، على استراتيجية تدفع فيها سياسة الاحتواء المزدوج إيران إلى التقارب مع العراق". والفكرة في أن إيران ستلجأ إلى الإرهاب لم تكن شيئاً ترجحه واشنطن، حتى بالرغم من استخدام تهمة دعم الإيرانيين للإرهاب في تبرير فرض العزلة على إيران. ما قام به الإيرانيون هو أنهم تفوقوا علينا بذكائهم عبر استهداف العملية السلمية. وبالتالي، أصبحوا داعمين شديدي العدوانية للإرهاب الفلسطيني وليس لحزب الله فقط".
بدأت واشنطن تفهم الخطأ الاستراتيجي الخطير في سياستها القائمة على الاحتواء المزدوج. فبرفض مبادرات التودد الإيرانية والتخطيط لإنشاء نظام جديد في الشرق الأوسط يستند إلى إقصاء إيران، كانت الولايات المتحدة توفّر لإيران حوافز قوية لتخريب الحلقة الأضعف في السياسة، وهي المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية الهشة. واستناداً إلى إندك، كان لدى الإيرانيين "كل الحوافز لمعارضة العملية السلمية. أما استراتيجيتنا فكانت، من ناحية، استخدام محرّك صنع السلام في تحويل المنطقة، ومن ناحية أخرى، كانت احتواء الإيرانيين عبر فرض العقوبات والعزلة عليهم. كان أحد شقّي هذه الإستراتيجية مكمّلاً للشقّ الآخر. فكلما نجحنا في صنع السلام، كلما زادت عزلة الإيرانيين، وكلما نجحنا في احتوائهم، كلما زادت فرص صنع السلام. لذلك كان لديهم حافز لإفشالنا في العملية السلمية لكي يهزموا سياسة الاحتواء والعزلة. ولهذا السبب استهدفوا العملية السلمية".
(ص 267 ـ 269)

سياسة إيران تجاه إسرائيل!
فوجئت طهران بحملة حزب العمل التي هدف من ورائها إلى عزل إيران. فقد اعتقد الإيرانيون بأن إسرائيل ستواصل الإعراض عن انتقادات إيران العنيفة الموجهة ضدّ الدولة اليهودية على غرار ما فعلت في الثمانينيات، واعتقدوا أن التفاهم الضمني بين الدولتين لا يزال سارياً من وجهة نظر الإيرانيين: ستبقى إيران مجرّد ناقد منظّر، وستستمرّ في إلقاء الخطب الملونة المعادية لإسرائيل فيما تدعم بالكلام لا بالأفعال، القضية الفلسطينية. بدورها، ستعبر إسرائيل آذاناً صمّاء لخطاب إيران، وتتذكر أن الشعارات التي تطلقها طهران لا تعكس السياسة الحقيقية لإيران. لكن التحوّل الهجومي لبيريز ورابين أشار إلى أن ذلك الزمان قد ولّى. بشكل تدريجي، بدأت إيران تدرك بأن إسرائيل آخذة في التحول إلى منافس رئيسي في بناء نظام الشرق الأوسط الجديد. بالنسبة إلى الإيرانيين، ليس هناك من اتهام إسرائيلي يكشف عن نوايا إسرائيل الحقيقية أكثر من ادّعائها أن إيران تريد الهيمنة على الشرق الأوسط.
(ص 243)

غضب إيران لعدم إشراكها في مسيرة السلام!
لم يكن السلام بين العرب وإسرائيل يشكّل بحّد ذاته خطراً على إيران. لكن غضب إيران كان يُثار فقط عندما يجتمع السلام مع جهد إسرائيلي أميركي لعزل إيران بتصويرها بأنها خطر وإقصائها عن صناعة القرار على المستوى الإقليمي. لقد خشي الإيرانيون من أن تسعى إسرائيل إلى استخدام صورة مرعبة عن إيران لزيادة تقبّل العرب لإبرام السلام مع الدولة اليهودية. وخشي رفسنجاني من أنه إذا تكللت اتفاقية أوسلو بالنجاح، واندفع العرب لإبرام سلام مع إسرائيل، ستُترك إيران في حالة من العزلة الطويلة. في النظام الجديد الذي يتمحور حول إسرائيل المزمَع إنشاؤه، ستتولى إسرائيل دور القيادة في حين ستُمنع إيران من "لعب دور يكافئ قدرتها ونفوذها". والشيء الذي كان خطراً سياسياً في الأصل يمكن أن يتحول مع الوقت إلى خطر عسكري. ويشرح مسعود إسلامي من وزارة الخارجية الإيرانية هذه الفكرة فيقول: "إذا اقترب العرب من إسرائيل، ستزداد عزلة إيران. عندئذ، تكون إسرائيل في وضع يمكّنها من تحويل نفسها إلى مشكلة كبيرة تواجه إيران". بعبارات بسيطة، سيتم إخضاع إيران للهيمنة الإسرائيلية، وهو ما بعث الخوف في نفوس الإيرانيين من "الفكرة القديمة المتمثلة في سيطرة اليهود على المنطقة من النيل إلى الفرات". أصرّ الإيرانيون على أنه في حال تم إشراك إيران في العملية السلمية، ستبرز صورة مختلفة كلّياً. يقول علي رضا علوي تابار، وهو إصلاحي إيراني بارز: "كان سيغلب علينا ميل إلى دعم الجهود السلمية والتعاون من أجلها لو أننا مُنحنا دوراً نشطاً وفاعلاً منذ البداية، بدلاً من أن يضعوا خطة مختلفة كلياً ثم يتوقعوا منّا الموافقة عليها ببساطة".
كانت إيران في عهد رفسنجاني، التي قللت من مستوى تدخلها قبل مؤتمر مدريد في القضية الفلسطينية، وأطلقت إشارات بأنها لن تقف في طريق التوصل إلى اتفاقية سلام، ستبدي استعدادها للتعاون من أجل التوصل إلى اتفاقية إسرائيلية فلسطينية لو أن أميركا قبلت بلعب إيران دوراً قيادياً في المنطقة، وفي مقابل ذلك، أنهت سياسة عزل طهران. بإشراك إيران في العملية السلمية، يمكن أن تضمن عدم الإضرار بصالحها من جراء معاهدة السلام مع إثبات قدرتها على أن تكون قوت إيجابية وباعثة على الاستقرار في المنطقة. يقول علوي تابار: "يمكننا لعب دور إيجابي جداً عندما يتم إشراكنا في العملية. تذكر كيف أننا ساعدنا على حل الصراع بين أرمينيا وأذربيجان. لقد قدّمنا مساعدات إنسانية لكِلا الطرفين، فضلاً عن وقود التدفئة الذي اشتدت الحاجة إليه خلال فصل الشتاء البارد هناك... يمكننا لعب دور إيجابي في الشرق الأوسط بكامله".
لعبة بيسبول مختلفة: بدأت إيران لأول مرة ترجمة خطابها المعادي لإسرائيل إلى سياسة عملانية. فعلى النقيض من رأي الخميني، ستتحول إيران الآن إلى دولة على خط المواجهة مع إسرائيل، لأنه إذا فشلت اتفاقية أوسلو، ستفشل معها الجهود الهادفة إلى إيجاد نظام إقليمي جديد على ظهر عزلة إيران، من دواعي السخرية أن دعم إيران لحزب الله تراجع بدرجة كبيرة في السنين السابقة بسبب التوجه الجديد للسياسة الخارجية التي انتهجها الخميني، مما جعل العديد من قادة الشيعة بلبنان يشعرون بأن إيران تخلّت عنهم. أما الآن، فقد عاد تركيز طهران مجدداً إلى حزب الله والجماعات الإسلامية الأخرى. عللت طهران بأن الموقف العلني الإيراني المعارض لإسرائيل والولايات المتحدة سيقوّي موقفها في عيون الجماهير العربية، وهذا بدوره سيزيد من صعوبة تشكيل إسرائيل لجبهة عربية إسرائيلية في مواجهة إيران. وكما فعلت عند بداية الثورة، ناشدت إيران الشارع العرب لإضعاف الحكومات العربية الموالية للغرب من الأسفل بجعلها تبدو ليّنة في مواجهة إسرائيل. كان الهدف، كما تشرح شخصية سياسية إيرانية، "إيجاد وضع لا يتمكّن فيه الإسرائيليون من التوصل إلى اتفاق، لأنه كلما زاد الوضع تأزماً، كلما صار وضعنا أحسن، لأن ذلك يوفر لنا مزيداً من الوقت".
( ص 247 ـ 249)

مصالح إيران لا حق الفلسطينيين!
نأت إيران عن التدخل نسبياً أثناء مباحثات كامب ديفيد2. كالعادة، انتقدت المباحثات، وشككت في مزاعم واشنطن بالنزاهة، لكن حدث تغيّر جارف في نهج إيران مقارنة بنهجها في العامين 1994 ـ 1995. في هذا الصدد، يقول هالفي: "لا أذكر أنه كان هناك أي نشاط إيراني على الإطلاق". هناك سببان دفعا إيران إلى الإحجام عن التدخل. السبب الأول هو أن إيران عزلت نفسها عن التطورات الإسرائيلية الفلسطينية عبر تحسين علاقاتها مع الدول المجاورة القريبة ومع أوروبا. لم ترّ إيران في محادثات كامب ديفي2 خطراً استراتيجياً على وضعها، مما يجعل المعارضة الإيرانية للصفقة أمراً غير ضروري. وردّة فعل إيران تجاه انتفاضة الأقصى زادت من التأكيد على أن النهج الإيراني في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يتأثر بالاعتبارات الاستراتيجية أكثر مما يتأثر بالاعتبارات الإيديولوجية. فلو أن الإيديولوجية أو المحنة التي يعاني منها الفلسطينيون كانا المحرّك للسياسة الإسرائيلية، لكانت ردّة فعل طهران على قمع الانتفاضة أشدّ قسوة.
السبب الثاني هو أن انسحاب إسرائيل من لبنان حدّ من قدرة إيران على إفشال المحادثات. كانت إيران بحاجة إلى الوقت لكي تتعافى من ذيول الانسحاب والعثور على قنوات جديدة للتواصل مع الجماعات الفلسطينية الرافضة. يقول بن عامي: "أعتقد أن إيران فوجئت بالانسحاب من لبنان، وجدوا أنفسهم في وضع لم يألفوه من قبل. فلأول مرّة، لم تعد في حوزتهم أداة لعرقلة المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين". واستناداً إلى بن عامي، لو أن إسرائيل لم تنسحب من لبنان، ربما كانت إيران ستستخدم حزب الله في نشر الخراب في المنطقة. كان حرمان إيران من لعب هذه الورقة ـ بالإضافة إلى إشباع رغبة قوية تملكت جمهور الناخبين الإسرائيليين في الانسحاب ـ أحد الأسباب الرئيسية التي دعت إلى الانسحاب من لبنان.
( ص 306 ـ 307).

الدعم الكلامي لفلسطين!
كما حصل في الماضي، سعت طهران إلى استغلال التوترات بين إسرائيل والعرب عبر دعوة العالم الإسلامي إلى التوحد ضدّ إسرائيل، واصفة الدولة اليهودية "بالورم الخبيث وشجرة الشرّ" وتصويرها "بخطر يهدد العالم الإسلامي بأكمله، وحتى تلك الحكومات التي تعتقد بأن الحكومة الصهيونية الغاصبة تخدم مصالحها. لكن بالمقارنة مع منتصف التسعينيات، بدت الهجمات الكلامية الإيرانية على إسرائيل أقل تكراراً، وفي ما عدا استثناءات جديرة بالملاحظة، لم تكن تلك التهجمات تستهدف إثارة الجماهير العربية. وبذلك تكون إيرن قد فازت بالحكومات العربية؛ عززت الانتفاضةُ والفوز الانتخابي الذي أحرزه أرييل شارون في مستهل العام 2001 جهودَ المصالحة بين إيران والدول العربية، بما في ذلك الحكومات التي وقّعت على معاهدات سلام مع إسرائيل. بدأ الانفراج في العلاقات مع حركة فتح التي يترأسها عرفات، مما قرّب إيران من الجماعات الفلسطينية العلمانية أيضاً. ثم سعت طهران إلى تعبئة الرأي العام الدولي ضدّ إسرائيل عبر الدعوة، على سبيل المثال، إلى "تشكيل محكمة خاصة بجرائم الحرب للتعامل مع الجرائم الإسرائيلية في الأراضي المحتلة" ودعوة مجلس الأمن الدولي إلى إرسال مراقبين دوليين لمنع تصاعد أعمال العنف. لكن في حين اتهمت إسرائيلُ إيران بتمويل الإرهاب الفلسطيني، اشتكى الفلسطينيون أنفسهم من الوعود الإيرانية الكلامية. من الواضح أن خطاب إيران بقي محافظاً على الحس بالواجب الإيراني تجاه الفلسطينيين، فخاطب المرشدّ الأعلى زعيم حماس قائلاً: "بأن الحرب المقدسة لتحرير فلسطين حرب للدفاع عن شرف الإسلام والمسلمين، وسنواصل دعمنا الثابت للشعب الفلسطيني بالرغم من كافة الضغوط السياسية والاقتصادية، وأن مسألة القدس ليست مشكلة فلسطينية، وإنما مشكلة كافة المسلمين". غير أن توفير إيران الدعم الكلامي كان أسهل من توفير الدعم العملي. ونادراً ما أُتبعت الشعارات الإيرانية بأفعال ملموسة، حتى بعد اندلاع الانتفاضة الثانية. احتل الإيرانيون موقع الصدارة في إلقاء الخطب الرنانة التي تتحدث عن القضية الفلسطينية، لكنهم نادراً ما التزموا بالمعايير التي وصفوها في تصريحاتهم. وأشار الدبلوماسيون الأوروبيون الذين أجروا اتصالات مع ممثلين عن الجهاد الإسلامي وحماس ممن زاروا إيران بعد اندلاع الانتفاضة الثانية إلى أن كلتا المجموعتين شعرت بخيبة أمل مريرة من مضيفيهم الإيرانيين. فإيران لم تقدم لهم المال ولا الأسلحة. وانتشرت نكتة في شوارع طهران عكست هذا الادعاء الإيراني: "لماذا لم يعد يوجد أحجار لرجم الزانية؟ وفقاً لأوامر المرشد الأعلى، تم شحن كل الأحجار إلى فلسطين كمساهمة من إيران في الانتفاضة".
(ص 308 ـ 309)


ثالثاً: إيران وأمريكا

التعاون التجاري الأمريكي – الإسرائيلي مع إيران برغم المقاطعة!
إدارة كلينتون قد تبنّت خطاب إسرائيل وموقفها المتشدد من إيران في الميدان السياسي. بلغ حجم التجارة بين البلدين 3.8 مليار دولار في العام 1994، فضلاً عن 1.2 مليار دولار على شكل سلع باعتها شركات أميركية عبر شركات تابعة أجنبية، مما جعل الولايات المتحدة أحد أكبر شركاء إيران التجاريين. لقد لفت هلموت كول، المستشار الألماني، انتباه إيباك إلى هذا التضارب والذي دافع في لقاء مع إيباك في العام 1994 عن تجارة ألمانيا مع إيران بالإشارة إلى علاقات واشنطن التجارية الواسعة مع طهران. يقول كيث وايزمان منظمة إيباك: "نظرنا إلى الأرقام، فوجدنا أنه كان محقاً. من الناحية الأساسية، كانت الأموال الأميركية التي تتدفق إلى طهران تفوق الأموال التي ترسلها أية دولة أخرى. وهذا جعلنا نهتم بالجانب الاقتصادي للمسألة". (المثير في الأمر هو أن إسرائيل لم تقرّ أية قوانين تحظر التجارة الإيرانية الإسرائيلية طوال طوال فترة التسعينيات). شنّت إيباك حملة لردم الهوة بين النهج السياسي والنهج الاقتصادي الأميركي من إيران.
(ص 261ـ 262)

التعاون الإيراني الأمريكي في أفغانستان!
في البداية، لم يحرز المحافظون الجدد سوى تقدم متواضع. لكن مع بدء الولايات المتحدة عملياتها العسكرية بأفغانستان، بدأت وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الاجتماع سرّاً بدبلوماسيين إيرانيين بباريس وجنيف في أكتوبر/ تشرين الأول2001، برعاية الأخضر الإبراهيمي، رئيس لجنة مساعدات الأمم المتحدة بأفغانستان. بدأ الاتصالات السفير جايمس دوبنز، مبعوث إدارة بوش الخاص بأفغانستان. وبدعم كامل من باول، قال دوبنز للإبراهيمي بأنه يرغب في الاجتماع بالإيرانيين. في غضون أيام قلائل، اتصل مسؤولون من وزارة الخارجية الإيرانية بدوبنز، وعرضوا عليه مساعدتهم. كما حضر الاجتماعات التمهيدية وفود ألمانية وإيطالية لتوفير الغطاء السياسي لإيران والولايات المتحدة، حيث أعطى حضورهم المحادثات ـ التي سرعان ما أُطلق عليها اسم قناة جنيف ـ مظهراً متعدد الأطراف. لكن في الحقيقة، كانت المناقشات ثنائية والاتصالات على أعلى مستوى بن مسؤولي البلدين منذ فضيحة إيران ـ كونترا.
سارت المحادثات على نحو أفضل مما كان متوقعاً. ركّزت المناقشات على "كيفية إزاحة طالبان بفاعلية، وكيفية تشكيل حكومة أفغانية بعد رحيل طالبان" لقد قدّم الإيرانيون مساعدة كبيرة للولايات المتحدة في الحرب، من غير أن يعرفوا شيئاً عما سيتكشف بعد النجاح بأفغانستان. لقد أدهش الدبلوماسيون الإيرانيون نظراءهم الأميركيين والأوروبيين بما لديهم من معارف وخبرات بشؤون أفغانستان وطالبان. لم تكن المساعدة التي قدّمتها إيران شكلية، فعرض الإيرانيون السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدهم الجوية، وعرضوا توفير قاعدة لتنفيذ مهام البحث والإنقاذ للطيارين الذين يتم إسقاط طائراتهم، وخدموا كجسر بين التحالف الشمالي والولايات المتحدة في قتال الطالبان. حتى أنهم استخدموا في قليل من المناسبات معلومات أميركية للعثور على زعماء تنظيم القاعدة الفارّين وقتلهم.
بالرغم من أن تكليف دوبنز اقتصر على إجراء محادثات حول أفغانستان، أعدّت مجموعة مغلقة من المسؤولين المحيطين بباول رزمة سرّية كاملة من الجزرات وعصا واحدة لعرضها على الإيرانيين. فعلى النقيض من البنتاغون، آثرت وزارة الخارجية فتح قناة اتصال استراتيجية مع إيران، وليس مجرّد محادثات تكتيكية. أدرك الدبلوماسيون الأميركيون أن التعاون بشأن أفغانستان يمكن أن يتوسّع ليشمل القاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى. بناء على ذلك، يمكن للولايات المتحدة وإيران توسيع تعاونهما على صعيد تقاسم المعلومات الاستخبارية، وتنسيق دوريات حدودية مكثفة لاعتقال مقاتلي القاعدة الذين يريدون الهرب إلى باكستان وإيران. عرف ريان كروكر، وكان عضواً في فريق التفاوض الأميركي ومكلفاً بمناقشة القضايا العامة، بأمر الرزمة. كان كروكر، إلى جانب زملائه الذين يتفقون معه في الرأي بوزارة الخارجية، على استعداد لتنفيذ اقتراح باول على الفور؛ في حال وافق الرئيس عليه. لكنّ المتشددين في البيت الأبيض عملوا بجدّ لمنع بوش من المضي فيه. يقول ويلكرسون: "كان نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد هناك دائماً لتخريب تعاوننا في أفغانستان إذا قطع شوطاً طويلاً".
لم تكن المصلحة المشتركة بين الولايات المتحدة وإيران على هذا القدر من الوضوح كما تبين في مؤتمر بون الذي انعقد في ديسمبر/ كانون الأول 2001، حيث التقى عدد من الأفغان البارزين ومندوبون من بلدان متنوعة، منها الولايات المتحدة وإيران، برعاية الأمم المتحدة في ألمانيا للاتفاق على خطة لحكم أفغانستان. أعدّت الولايات المتحدة وإيران بعناية الأرضية اللازمة للمؤتمر قبل انعقاده بعدة أسابيع. وأثبت النفوذ السياسي الإيراني في أوساط الجماعات الأفغانية المحاربة المتنوعة أنه كان حاسماً، فكان هذا النفوذ بين أوساط الأفغان ـ وليس تهديدات أميركا ووعودها ـ هو الذي حرّك عجلة المفاوضات إلى الأمام. كما أن الوفد الإيراني ـ وليس دوبنز ـ هو الذي أشار إلى أن مسودة إعلان بون لم تتضمن أية إشارة إلى الديموقراطية أو إلى أي التزام من جانب أفغانستان بمحاربة الإرهاب الدولي. لكن المثير للفضول هو أن تعليمات دوبنز لم تحتوِ على أي شيء يشير إلى الديموقراطية.
بحلول الليلة الأخيرة للمؤتمر، تمت الموافقة على دستور موقت، وتمّ حل كافة القضايا الأخرى باستثناء القضية الأصعب: من الذي سيحكم أفغانستان؟ أصرّ التحالف الشمالي، بوصفه المنتصر في الحرب، على أن من حقّه الاستئثار بالغنائم. بالرغم من أنه ممثَّل في حوالي 40 في المائة من البلاد، أراد أن يشغل ثمانية عشر منصباً وزارياً من أصل أربعة وعشرين. وقرابة الساعة الثانية فجراً، جمع دوبنز الأحزاب الأفغانية، والإيرانيين، والروس، والهنود، والألمان، والإبراهيمي من الأمم المتحدة لحل هذه النقطة الأخيرة العالقة. تناوبت الوفود على الكلام على مدى ساعين في محاولة لإقناع يونس قانوني، مندوب التحالف الشمالي بالقبول بعدد أقل من الوزارات، ولكن بدون جدوى. أخيراً، اجتمع كبير المفاوضين الإيرانيين ـ جواد ظريف ـ بالمندوب الأفغاني على انفراد، وبدأ يهمس في أذنه باللغة الفارسية. بعد بضع دقائق، عادا إلى الطاولة، وأذعن الأفغاني، وقال: "حسناً، أنا موافق. يمكن للفصائل الأخرى الحصول على وزارتين أخريين". كانت تلك نقطة تحوّل حاسمة لأن الجهود التي بذلتها الدول الأخرى لإقناع القانوني باءت كلها بالفشل. في هذا الصدد، يقرّ دوبنز بأن "المسألة لم تُحسم إلاّ بعد أن اجتمع به ظريف على انفراد. ربما كنا سنواجه وضعاً مثل الوضع الذي واجهناه بالعراق، حيث لم نتمكن أبداً من اتفاق على زعيم واحد وعلى تشكيل حكومة". في صباح اليوم التالي، تم التوقيع على اتفاقية بون التاريخية. النتيجة هي أن أميركا لم تنتصر في الحرب وحسب، بل وانتصرت، بفضل إيران، في السلام أيضاً.
بالنسبة إلى الإيرانيين، كانت تلك لحظة انتصار. فلم يقتصر الأمر على إلحاق الهزيمة بعدو رئيسي لإيران ـ حركة طالبان ـ بل واظهار كيف يمكن أن تساعد على إرساء دائم الاستقرار في المنطقة، وكيف يمكن أن تساعد على إرساء دعائم الاستقرار في المنطقة، وكيف يمكن أن تستفيد أميركا من بناء علاقة أفضل معها. وفي تلميح إلى استعداد إيران للتوسع في المناقشات لتشمل نواحي أخرى، قال ظريف في إحدى المراحل لكروكر ممازحاً بأنه بعد أن تم حل القضية الأفغانية، ربما آن الوقت لمعالجة النزاع النووي الذي يزرع الخلاف بين البلدين. وبدون أي تردد، أعاد كروكر الكرة إلى معلب ظريف، وسأله إن كان يجدر به التطرّق إلى التعليمات الخاصة بهذا الملف، مشيراً إلى أن وزارة الخارجية سبق أعدّت نقط بحث بشأن هذه القضية. لكن ظريف لم يكن يملك صلاحية الذهاب إلى ما هو أبعد من موضوع أفغانستان في ذلك الوقت علماً بأن الإيرانيين تعاملوا مع تلك المناقشات كقناة استراتيجية. يشرح دوبنز واقع الحال فيقول: "جاء ذلك منسجماً مع رغبتهم في إجراء محادثات استراتيجية". في إشارة إلى أن الإيرانيين لم يكشفوا عن نواياهم الكاملة إلاّ في مرحلة متأخرة جداً.
تمثل المأزق الإيراني في أن جدول أعمال المناقشات ـ أفغانستان، المسألة النووية، الإرهاب ـ تصدّى للهموم الأميركية فقط، بحيث لم يكن هناك مكان لهموم إيران المتعلقة بالسياسات الأميركية. في حين أبدى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله خامنئيي والرئيس خاتمي دعمهما الكامل للمحادثات الأفغانية ولفكرة فتح قناة اتصال استراتيجية مع واشنطن، لكنهما أصراً على أنه ينبغي أن تتضمن المحادثات الأوسع نطاقاً الهموم الإيرانية والهموم الأميركية على حدً سواء. بالنسبة إلى وزارة الخارجية الأميركية ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، لم يكن في ذلك مشكلة. فكلاهما أراد استكشاف مزيد من الفرص مع إيران، ولكنهما كانا يتعرضان للإعاقة من بعض المسؤولين في البيت الأبيض المتحمسين لعداء إيران. يقول دوبنز: "لم ألحظ أي اهتمام خارج البلاد. بإجراء مناقشة استراتيجية مع الإيرانيين. فعلى الرغم من المساعدة الحاسمة التي قدّمتها إيران للولايات المتحدة بأفغانستان، لم يكن يوجد تقبّل لإجراءات حسن النية الإيرانية في البيت الأبيض في عهد بوش. أي أن أحداث العام 1991 عادت لتتكرر من جديد: لا يوجد تقدير للمصلحة الاستراتيجية الإيرانية في شرق أوسط مستقر، ولإمكانية أن تكون إيران راغبة في ترقيع علاقاتها مع الولايات المتحدة. حتى أن تعهّد إيران في مؤتمر الدول المانحة بطوكيو الذي انعقد في يناير/ كانون الثاني 2002 بتقديم 500 مليون دولار إلى أفغانستان ـ وكان أكبر تعهد من جانب أية دولة شاركت في المؤتمر، بما في ذلك الولايات المتحدة ـ لم يحز على إعجاب المتشددين في البيت الأبيض.
كما لاقى عرض إيران بالمساعدة على إعادة بناء الجيش الأفغاني ـ في ظل قيادة أميركية ـ من أجل تقوية الحكومة الأفغانية إزاء أمراء الحرب المتنوعين الذين كانوا لا يزالون يسيطرون على أجزاء من البلاد، آذاناً صمّاء أيضاً. ففي أحد الاجتماعات التي عُقدت بجنيف، قال الإيرانيون لدوبنز: "نحن على استعداد لاستقبال ما يصل إلى عشرين ألف جندي، وكسوتهم، وتسليحهم، وتدريبهم ضمن برنامج واسع تحت قيادتكم". لكن دوبنز أشار إلى أنه إذا كانت إيران والولايات المتحدة ستتقاسمان المسؤولية في تدريب الجنود، فسينتهي بهم الأمر إلى العمل وفقاً لمذهبين عسكريَّين مختلفَين. عندئذٍ، ضحك قائد الجيش الإيراني، الذي صاحب الوفد الإيراني لمنماقشة العرض مع دوبنز، وقال: "لا تقلق، لا زلنا نستعمل الكتيبات التي تركتموها وراءكم في العام 1979". وأضاف بأنه لن تبرز أية مشكلات تتعلق بولاء الجنود أيضاً، لأن إيران كانت لا تزال تدفع رواتب الجنود الأفغان الذين تستخدمهم الولايات المتحدة في القضاء على عناصر القاعدة وطالبان على الحدود الأفغانية الباكستانية. ووجّه سؤاله إلى دوبنز بطريقة منمّقة وقال: "هل تواجهون أية مشكلات تتعلق بولائهم؟"
(ص 317 ـ 321)

صراع حول العلاقة بين أمريكا وإيران!
في 3 يناير/ كانون الثاني 2002، اعترض الإسرائيليون السفينة كارين أيه في المياه الدولية في البحر الأحمر. كان يقود السفينة قبطان من البحرية الفلسطينية، وكانت محمّلة بصواريخ كاتيوشا، وقذائف مورتو، وبنادق آلية، وبنادق قنص، وذخائر، وألغام مضادّة للدروع، وأنواع أخرى من المتفجرات. زعم الإسرائييون بأن السفينة قدمت من جزيرة كيش الإيرانية، وبما أن أغلب الأسلحة كانت لا تزال في صناديق المصانع التي أنتجتها، وتحمل رموزاً تشير إلى أنها من صنع إيراني، جادل الإسرائيليون بأن الاستنتاج بديهي: إيران تسعى إلى تزويد السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة عرفات بالأسلحة في خرق للاتفاقات التي أبرمتها السلطة مع إسرائيل. كان ذلك الدليل القاطع الذي احتاج إليه الإسرائيليون لوقف الحوار الأميركي الإيراني، ووضع حدّ للضغوط التي تمارسها واشنطن على إسرائيل لكي تتعامل مع الفلسطينيين. كانت العملية هدية لشارون، وتزامنت بالمصادفة مع زيارة كان يقوم بها الجنرال أنتوني زيني لإٍسرائيل، مبعوث بوش الجديد للشرق الأوسط. بالنسبة إلى العديد من المراقبين، كان الخبر من الروعة بحيث لا يمكن أن يكون صحيحاً لدرجة أنه حتى حلفاء إسرائيل بدأوا يشككون في صحته. فالمسار المعتاد للشحنات الإيرانية المتجهة إلى وكلائها يمرّ عبر دمشق ولبنان ـ جواً، وليس بالقوارب في محيط شبه الجزيرة العربية حيث كان من المعلوم أن البحرية الإسرائيلية تسيّر دوريات هناك.
أنكر الإيرانيون أن تكون لهم أية علاقة بالسفينة، لكن لم يكن الإنكار ليوازي صورة شارون وهو يتفحص السفينة والأسلحة الإيرانية المحمّلة عليها. قبلت واشنطن بالرواية الإسرائيلية للقصة، ووصفت الدليل الإسرائيلي بأنه مقنع. بالنسبة إلى إدارة بوش، زال أي شك ربما كان يساورها في مواصلة إيران اتصالاتها مع الإرهابيين. كانت تلك نكسة كبيرة للمدافعين عن الحوار مع إيران مثل باول. يقول ويلكرسون: "بدد ذلك توقعات باول بما كان من الممكن تحقيقه مع الإيرانيين".
في إيران، أخذ الخبرُ الرئيس خاتمي على حين غرّة، فأمر بعقد اجتمع لمجلس الأمن القومي الإيراني لكي يعرف من الذي يقف خلف هذه الشحنة. كان خاتمي يعلم حق العلم بوجود عناصر شرّيرة داخل الحكومة الإيرانية تسعى متى سنحت لها الفرصة إلى إفشال سياسته القائمة على الانفتاح على الولايات المتحدة. غير أن أحداً في المجلس لم يعترف بأنه كان على علم بأمر السفينة. سارع الإيرانيون، من خلال قناة جنيف، إلى الاتصال بدوبنز وإبلاغه بأمر اجتماع خاتمي بالمجلس، وأمر الدبلوماسيون الإيرانيون بطلب الحصول على دليل من الولايات المتحدة يثبت هوية مصدر تلك الشحنة لكي تتمكن السلطات بطهران من التصرف بناء على ذلك. في نفس الوقت، بعثت حكومة خاتمي برسالة إلى واشنطن عبر السفارة السويسرية بطهران أنكرت فيها أية مشاركة إيرانية في القضية. كررت طلب الحصول على معلومات من الولايات المتحدة، وعرضت إعطاء واشنطن أية معلومات ربما تتوصل إليها إيرن. لكن لا الرسالة التي وصلت إلى دوبنز ولا المذكرة التي أُرسلت عبر السويسريين عوملت بطريقة جادّة من قبل إدارة بوش. لم تقدّم واشنطن أي دليل إلى طهران يثبت المزاعم الإسرائيلية، ولكنها ردّت على طهران بعد أسابيع قليلة، وأكدت على أن المعلومات كافية وجديرة بالاعتماد، مما يعني من الناحية العملية رفض الإنكار الإيراني.
بالنسبة إلى الإيرانيين المرتابين دوماً، كانت المسألة بأكملها ملفّقة. ورأوا أنها تحولت سياسة التعاون إلى سياسة مواجهة. ولا تزال كارين أيه لغزاً ظهر في الوقت المناسب بالنسبة إلى الأشخاص الذين أرادوا منع حدوث تقارب أميركي إيراني". ولو عدنا إلى الماضي، نجد أن بعض المسؤولين في إدارة بوش بدأوا يشككون في القضية. تكهن البعض بأنها من تدبير إسرائيل، وجادل البعض بأن عناصر شرّيرة بإيران ربما تقف خلفها. لكن ما من أحد في إدارة بوش تابع القضية إلى ما هو أبعد من ذلك. فبعد أن أكدت الاستخبارات الأميركية صحة الرواية الإسرائيلية، بات الأمر مفروغاً منه. ويعترف ويلكرسون فيقول: "لكن بالنتيجة، تساءلنا جميعاً إن كانت خدعة أم حقيقة".
(ص324ـ 326)

التعاون في العراق!
كان لا يزال في حوزة رجال الدين القليل من الأوراق القيّمة التي أملوا بأن يلعبوها لقلب الجدال الدائر بواشنطن لمصلحة وزارة الخارجية الأميركية وأولئك الذين يفضّلون الحوار. إحدى هذه الأوراق كانت المعلومات الاستخبارية الإيرانية فائقة النوعية، واطلاع الإيرانيين على الأوضاع بالعراق. بفضل سنوات الحرب الثماني في الثمانينيات، استوعب الإيرانيون، بخلاف الأميركيين، الشبكات الاجتماعية العشائرية العراقية المعقدة، وعرفوا كيفية التعامل معها. رأت طهران أن واشنطن ستكون بحاجة إلى هذه المعرفة، وهذا ما سيعطي الإيرانيين بعض النفوذ على المحافظين الجدد. فبدون قناة اتصال، يمكن أن يحدث سوء تفاهم، وهو ما سيفيد المنافسين الإقليميين لإيران، بما في ذلك إسرائيل والدول العربية. كما ضغطت جماعات المعارضة العراقية التي لديها روابط وثيقة مع طهران ـ سواء المنظمات الشيعية أم الفصائل الكردية بقيادة جلال الطالباني (الذي أصبح في وقت لاحق رئيس العراق) ـ على الإيرانيين لكي يساعدوا الأميركيين. في النهاية، احتاج الإيرانيون إلى قناة لفهم القرارات الأميركية الخاصة بالعراق والتأثير فيها، واحتاج الأميركيون إلى إيران لكي لا تعقّد الخطط الأميركية. لذلك، أعيد فتح قناة جنيف في أواخر ربيع العام 2002 بعد اتصال وزارة الخارجية الأميركية بالإيرانيين.
(ص 334 ـ 335)

الصفقة الكبري بين أمريكا وإيران!
أعدّ الإيرانيون اقتراحاً شاملاً بيّن حدود صفقة ضخمة محتملة بين البلدين تعالج كافة نقاط النزاع بينهما. كتب صادق خرازي، نجل شقيق وزير الخارجية الإيراني وسفير إيران لدى فرنسا، المسودة الأولى للاقتراح. ثم رُفعت المسودة إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية للمصادقة عليها، والذي طلب بدوره من ظريف ـ السفير لدى الأمم المتحدة ـ مراجعتها قبل إرسالها إلى الأميركيين، ووضع اللمسات الأخيرة عليها. لم يكن على علم بهذا الاقتراح ويشارك في إعداده سوى دائرة مغلقة من صنّاع القرار بطهران؛ وزير الخارجية كمال خرازي، والرئيس محمد خاتمي، والسفير لدى الأمم المتحدة ظريف، والسفير لدى فرنسا خرازي، والمرشد الأعلى للثورة علي خامنئي. بالإضافة إلى ذلك، أجرى الإيرانيون مشاورات مع تيم غالديمان، السفير السويسري لدى إيران، والذي كان سيسلّم الاقتراح في النهاية إلى واشنطن.
أذهل الاقتراحُ الأميركيين. فهو لم يكن اقتراحاً رسمياً وحسب ـ على اعتبار أنه حصل على موافقة المرشد الأعلى ـ بل إن ما تضمنه من بنود كان مدهشاً أيضاً. يقول فينت ليفيريت الذي خدم كمدير رفيع في شؤون الشرق الأوسط لدى مجلس الأمن القومي حينها: "اعترف الإيرانيون بأن أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب قضيتان هامتان بالنسبة إليهم، وأنهم على استعداد للتفاوض عليهما. لقد حضيت الرسالة بموافقة كافة المستويات العليا للسلطة". بذلك، وضع الإيرانيون كافة أوراقهم على الطاولة، وصرّحوا عن كل ما يريدونه من الولايات المتحدة، وعن الأشياء التي هم على استعداد لتقديمها بالمقابل. يقول محمد حسين عادلي الذي كان حينها نائب وزير الخارجية الإيراني: "مضت تلك الرسالة التي جرى تسليمها للأميركيين إلى حدّ القول بأننا على استعداد للتحاور، وعلى استعداد لمعالجة قضايانا".
في حوار حول الاحترام المتبادل، عرض الإيرانيون وقف دعمهم لحماس والجهاد الإسلامي ـ الإخوة الإيديولوجيون لإيران في صراعها مع الدولة اليهودية ـ والضغط على المجموعتين لكي توقفا هجماتهما على إسرائيل، وفي ما يتعلق بحزب الله؛ وليد أفكار إيران، وشريكها الأكثر جدارة بالاعتماد عليه في العالم العربي، عرض رجال الدين دعم عملية نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي صرف. في الموضوع النووي، عرض الاقتراح فتح البرنامج النووي الإيراني بالكامل أمام عمليات تفتيش دولية غير مقيدة من أجل إزالة أية مخاوف من برامج التسلّح الإيرانية. وسيوقّع الإيرانيون على البروتوكول الإضافي الخاص بمعاهدة عدم الانتشار، كما سيعرضون على الأميركيين إمكانية المشاركة الكثيفة في البرنامج كضمانة إضافية وإيماءة على حسن النية. في موضوع الإرهاب، عرضت طهران التعاون الكامل في مواجهة كافة المنظمات الإرهابية؛ وأهمها القاعدة. في الموضوع العراقي، ستعمل إيران بنشاط مع الولايات المتحدة على دعم الاستقرار السياسي وإقامة مؤسسات ديموقراطية، والأهم من ذلك، تشكيل حكومة غير دينية.
ربما كان البند الأكثر إثارة للدهشة ذلك المتعلق بعرض إيران القبول بإعلان بيروت الصادر عن القمة العربية؛ أي خطة السلام التي أعلنها ولي العهد السعودي في مارس/ آذار 2002 والتي عرض العرب بموجبها إبرام سلام جماعي مع إسرائيل، مقابل موافقة إسرائيل على الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة والقبول بدولة فلسطينية مستقلة بالكامل، والتوصل إلى حلّ عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. من خلال هذه الخطوة، ستعترف إيران رسمياً بالحل القائم على دولتين. وكان المتشددون بطهران قد رفضوا قبل سنة واحدة المبادرة العربية، مجادلين بأن عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل العام 1967 ستكون حلاً غير عادل بالنسبة إلى الفلسطينيين.
(ص 338 ـ 340)

الأمنيات الإقليمية الإيرانية!
بالرغم من أن إيران لم تكن في وضع يمكّنها من تحدّي الولايات المتحدة أو الحلول محلها كقوة منفردة في المنطقة ـ أصبحت أميركا قوة بحكم الأمر الواقع في المنطقة من خلال تواجدها العسكري في دول مجلس التعاون الخليجي ـ فقد غذّى تصاعد إيران وسعيها إلى إيجاد نظام جديد شهية إيران بالتأكيد للعب دور سياسي واقتصادي على حساب مكانة إسرائيل. لقد رأى رجال الدين أن العزلة المفروضة على إيران غير طبيعية، وغير عادلة، ولا يمكن تبريرها. كان يجدر أن تتعلم واشنطن من فشل مؤتمر مدريد عام 1991 درساً قيّماً؛ لا يمكن أن يحدث تغير جوهري بدون تعاون من جانب إيران. يشرح هادي نجاد حسينيان، الذي خدم في وزارة الرئيس هاشمي رفسنجاني في التسعينيات، "ما من شك في أن إيران أرادت وشعرت بأنه من حقها أن تلعب دور قوة إقليمية. ينبغي أن نكون القوة الأوسع نفوذاً في المنطقة، وأن نلعب دوراً بناء على ذلك، فنحن نملك الإمكانيات وينبغي علينا أن نجسّد ذلك". وسواء راق الأمر لأميركا وإسرائيل أم لا، فليس أمامهما خيار سوى الاعتراف بحقيقة قوة إيران ونفوذها. ويجادل عباس مالكي، الذي خدم كنائب لوزير الخارجية في ذلك الوقت قائلاً: "إيران قوة إقليمية. وإيران يمكنها حل المشكلة الأرمينية أذربيجانية. وينبغي أن تكون إيران جزءاً من مؤتمر شنغهاي. وإيران جزء من منظمة التعاون الاقتصادي، وينبغي أن تكون طهران جزءاً من مجلس التعاون الخليجي".
(ص 243 ـ 244)

المصالح المتناقضة!
فلو وضعنا الإيديولوجية والخطب جانباً، نجد أن إيران والولايات المتحدة تتقاسمان العديد من المصالح المشتركة في المنطقة. فكلتاهما في حالة عداء مع العراق، وكلتاهما بحاجة إلى إرساء الاستقرار في الخليج العربي، وكلتاهما تؤيد تدفق النفط بدون إعاقة، وكلتاهما تعارض ـ بدرجات متفاوتة ـ تنامي قوة حركة طالبان بأفغانستان وتجارة المخدرات الأفغانية. خافت إسرائيل من أن تطغى هذه المصالح المشتركة بين إيران والولايات المتحدة في أي حوار أميركي إيراني على هواجس إسرائيل حيال طهران، وتترك إسرائيل بمفردها في مواجهة منافستها الفارسية.
(ص 256)
التعاملات السرّية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة (2-2)
تأليف د. تريتا بارزي
تمهيد:هذا هو ( الفصل 20) من كتاب تريتا بارزي الكاتب الإيراني/ الأمريكي رئيس المجلس الوطني الأمريكى الإيراني والمدرس بجامعة هوبكنز بالولايات الأمريكية المتحدة، ونهدف من من هذا تقديم لب هذا الكتاب القيم والذي يتناول تاريخ العلاقات بين مثلث أمريكا إسرائيل إيران، والتحولات السياسية ومستقبل العلاقات.
ليكون القارئ المسلم والعربي على اطلاع متجدد بالدراسات الرصينة حول الموضوع من مصادر تحسب على أعضاء المثلث نفسه! الراصد


مواجهة المستقبل، مواجهة الحقيقة

"من الذي يهيمن على الشرق الأوسط؟ إيران أم الولايات المتحدة؟"

وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر، 29/5/ 2006
تحولت المنافسة بين إسرائيل وإيران منذ انتهاء الحرب الباردة، إلى عثرة في طريق تحقيق العديد من الأهداف الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. فقد عملت كلتا الدولتين على تقويض السياسات الأميركية التي رأت كل منهما بأنها تصبّ في مصلحة الدولة الأخرى. فعلى سبيل المثال، عملت إيران على إفشال العملية السلمية لمنع الولايات المتحدة من تشكيل ما خشيت طهران من أنه سيكون شرق أوسط يتمحور حول إسرائيل ويعتمد على عزلة مطوّلة تُفرض على إيران. بدورها، عارضت إسرائيل المحادثات التي كانت تجري بين الولايات وإيران، مخافة أن يمنح تقاربٌ أميركي إيراني طهران أهمية استراتيجية كبيرة بواشنطن على حساب إسرائيل لأن إيران دولة قوية يمكنها تقاسم العديد من المصالح العالمية مع الولايات المتحدة، على الرغم من إيديولويجاتهما المتضاربة.
يمكن أن تستفيد الولايات المتحدة من إيران قوية تخدم كحاجز يحول دون وصول الصين إلى مصادر الطاقة في الخليج العربي وحوض قزوين، كما سبق أن خدمت كحاجز في وجه الاتحاد السوفياتي قبل انهيار الشيوعية. لقد خشيت إسرائيل من إيران قوية، وتملك ترسانة صاروخية، وربما نووية لا يمكن لها ولا يمكن لواشنطن التأثير كثيراً فيها. في حين شعر العديد بإسرائيل أن الدولة اليهودية لا تستطيع منافسة إيران على المستوى الاستراتيجي ـ بدلالة قيمتها بالنسبة إلى الولايات المتحدة ـ جادل آخرون بأن العلاقة الخاصة التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة لا تعتمد على المصالح الاستراتيجية، ولكنها تعتمد على شكل من أشكال التجانس، كما يشرح شلومو بروم من مركز يافي للدراسات الاستراتيجية. ويضيف: "إنها تعتمد على حقيقة أن شريحة واسعة من السكان بالولايات المتحدة تدعم إسرائيل: اليهود، واليمين المسيحي، وغيرهم. إنها تعتمد على القيم المشتركة".
لم تتغلب إسرائيل ولا إيران ـ ولا الشرق الأوسط بأكمله ـ على الهزة الجيوسياسية التي ضربت المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. يعود سبب خوف إسرائيل وإيران من نظام جديد في الشرق الأوسط يفيد الطرف الآخر إلى افتقار المنطقة إلى قاعدة جيوسياسية لنظامها الواهي. وعودة الحديث عن إيجاد توازن جديد ومستقر يجدد المنافسات الإقليمية ويذكّيها. فالأمر لا يقتصر على تعذر استيعاب نتائج انهيار الاتحاد السوفياتي وحسب، بل وعلى عدم معرفة النتائج الكاملة للهزيمة التي أنزلتها أميركا بطالبان والعراق حتى ذلك الحين. لزيادة الأمور سوءاً، سعت واشنطن إلى إقامة نظام يتناقض مع التوازن الطبيعي عبر السعي إلى احتواء إيران وعزلها، وهي التي تعتبر من أقوى الدول في المنطقة. حتى لو أمكن تشكيل نظام مصطنع يعتمد على إقصاء عملاق إقليمي مثل إيران، لن يتمكن هذا النظام من الوقوف على رجليه، وسيبقى هذا النظام صامداً طالما أن الولايات المتحدة مستعدة للاستثمار في بقائه.
لم يكن سبب اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل الاختلافات الإيديولوجية التي بينهما، كما أنه ليست حماستهما الإيديولوجية هي التي تبقيهما حيتين اليوم. لكن ذلك لا يعني بالتأكيد أنه لا أهمية للإيديولوجيات في هاتين الدولتين. ففي الحد الأدنى، يتسبب الخطاب السياسي الناتج عن هذه الإيديولوجيات في جعل إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة. فوجهات النظر المعادية للصهيونية يتبنّاها أغلب المسؤولين الإيرانيين، ولكن ليس كلهم. غير أن تأثير التوجّه الإيديولوجي للمسؤولين في رسم السياسة الخارجية الإيرانية مسألة مختلفة تماماً. تزامنت كافة التحولات الجوهرية في العلاقات الإسرائيلية الإيرانية مع التحولات الجيوسياسية وليس الإيديولوجية، فبدأ الشاه الابتعاد عن إسرائيل بعد أن باتت إيران تملك من القوة ما يمكّنها من تحييد الخطر العربي، وعقد صداقات مع الدول العربية من موقع قوة. في تلك المرحلة، ازداد ميل إيران إلى النظر إلى علاقتها بإسرائيل على أنها عبء أكثر منها رصيد. غير أن فشل الشاه في الفوز بدعم العرب لموقعه القيادي ـ وهو فشل يعود جزئياً إلى روابطه الوثيقة بإسرائيل ـ دفع الثوريين إلى البحث عن صيغة أخرى لرأب الصدع العربي الفارسي من خلال الإسلام السياسي. وأدّى ذلك التوجّه إلى زيادة حاجة طهران إلى معارضة إسرائيل، بالرغم من استمرار روابطها السرية بالدولة اليهودية.
حدث التحول الأسوأ والأكثر دراماتيكية في العلاقات الإسرائيلية الأميركية في مستهل التسعينيات، مع انتهاء الحرب الباردة وهزيمة العراق في حرب الخليج. المثير للسخرية أن الحماسة الإيديولوجية بإيران تراجعت بحدة في تلك السنين. ففي حين أنه كان في السياسة الخارجية الإيرانية مكونة إيديولوجية دائماً، كانت الإيديولوجية تُترجَم إلى سياسة عملانية في ما يتعلق بإسرائيل فقط عندما تقترن بمصلحة استراتيجية، كما كان عليه الحال في حقبة ما بعد الحرب الباردة. يشرح محسن ميردمادي الذي ترأس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني في أواخر التسعينيات الأمر بالقول: "الإسرائيليون يعارضون فكرة أن تلعب إيران دوراً هاماً، أو تكون القوة الأولى في المنطقة. ونتيجة لذلك، نجد أنهم يعارضون حدوث تطور بإيران. وبالتالي فهذا صراع بيننا وبين إسرائيل. ولو نظرنا إليه من زاوية إيديولوجية، سنظل في حالة عداء مع إسرائيل".
عندما كانت المصلحة الإيديولوجية تتصادم مع المصلحة الاستراتيجية، كما حصل في الثمانينيات، كانت الاعتبارات الاستراتيجية تتفوق باستمرار. بالنسبة إلى الإيرانيين، هذا ليس تناقضاً وإنما إحدى حقائق الحياة البسيطة. لذلك لا ينظر الحكام بإيران إلى الإيديولوجية كحقيقة مطلقة، وهو ما اعترف به الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني في خطبة جمعة عندما قال" "عمدنا إلى اتخاذ تدابير غير مناسبة أو لم نعمد إلى اتخاذ أي تدابير؛ وعمدنا إلى تأخير صناعة القرار. إن إيديولوجيتنا تتميز بالمرونة، وفي وسعنا اختيار منفعتنا الذاتية وفقاً للإسلام". في مناسبة أخرى، رفض رفسنجاني الفكرة التي تقول بأنه ينبغي أن تستند السياسة الخارجية الإيرانية إلى المبادئ الإيديولوجية بحيث يتوجب على الدولة أن تتصرف بما يتفق ومهامها التي يوجبها الإسلام، بصرف النظر عن النتائج التي ستنجم عن ذلك. "إن وضع الدولة في خطر على أساس أننا نتصرف على أساس إسلامي عمل غير إسلامي". استناداً إلى نائب وزير الخارجية السابق عباس مالكي، لم تعد السياسة الخارجية الإيرانية إيديولوجيةً منذ زمن طويل، "فالإيديولوجية تعني أنه يتعين علينا تبنّي سياسات تناصر المسلمين في كل العالم. أجل، يمكننا القول إننا نناصر المسلمين في كافة أنحاء العالم... ولكننا لا ندعم المسلمين الشيشان. إذا كانت الإيديولوجية المحرّك الأول للسياسة الخارجية الإيرانية، إذاً يتعين على إيران أن تفعل ذلك. ولكن إيران لم تفعل ذلك". بقدر ما قد يرغب القادة الإيرانيون في متابعة أهدافهم الإيديولوجية، ما من قوة في السياسة الخارجية الإيرانية أكثر غلبة من الاعتبارات الجيوسياسية.
يقرّ العديد من كبار صنّاع السياسة بتل أبيب بهذه الحقيقة، بالرغم من أن الخطاب الإسرائيلي يشير إلى العكس، ويجادلون بأن طموحات إيران لا علاقة لها بالطبيعة الإسلامية لنظام الحكم فيها. يقول باري روبن، مدير مركز البحوث العالمي للشؤون الدولية بالقدس (غلوريا): "إن ما كان يعتبر طموحاً مستنداً إلى القومية لدى الشاه أصبح لدى من خلفوه طموحاً موازياً مستنداً إلى راديكالية إسلامية غالباً ما خدمت ببساطة كقناع رقيق للقومية". والمرحلة الأخيرة، كما يسمّيها الإسرائيليون. التي وصلت إليها السياسة الخارجية الإيرانية لا تختلف كثيراً عن السياسة التي كانت متَّبعة في عهد الشاه. وقال لي إيرانيّ مسنّ بإسرائيل بصراحة: "الفرس يريدون الهيمنة! لطالما كانوا كذلك، وسيبقون دائماً كذلك".
عندما يتمعن المرء قليلاً، يجد أنه حتى انتقادات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الحادّة لإسرائيل تحرّكها دوافع استراتيجية. وهو قام بأمر قلّة من القادة الإيرانيين قاموا به قبله؛ التشكيك في المحرقة النازية. (كان الرئيس السابق محمد خاتمي حريصاً على تجنّب هذه المبالغات). قال أحمدي نجاد أمام حشد في خريف العام 2005. بمنطقة زهيدان الواقعة في جنوب شرق إيران: "اليوم، أوجدوا خرافة باسم المحرقة النازية وقدّموها على الله، والدين، والأنبياء. إذا كنتم (الأوروبيون) قد ارتكبتم هذه الجريمة الشنعاء، فلماذا ينبغي على الشعب الفلسطيني المظلوم أن يدفع الثمن؟ أنتم (الأوروبيون) الذين يتوجب عليكم دفع التعويض". وعلى الفور، أصدر مجلس الأمن الدولي بياناً أذان فيه تعليقات الرئيس الإيراني. ومن غير المفاجئ أن الأوروبيين شعروا بالغضب الشديد، وهددوا بالانضمام إلى الولايات المتحدة في تبنّي موقف أشدّ قسوة من إيران. فوجئت إيران بردة الفعل الدولية القوية، مما أشعل جدالاً داخلياً حادّاً داخل الحكومة، لأن تعليقات الرئيس أغضبت المفاوضين الإيرانيين المكلّفين بالموضوع النووي والذين كانوا يجرون محادثات دقيقة مع الأوروبيين منذ العام 2003 حول البرنامج النووي الإيراني. هذا الخطاب أضعف العمل الدقيق المتزن الذي قاموا به لتجنّب إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن وللدفاع عن حق إيران بتخصيب اليورانيوم.
جادل المعسكر المحيط بأحمدي نجاد بأنه ينبغي على إيران توسيع دائرة الصراع وجعل إسرائيل جزءاً جوهرياً وبارزاً في الجدال الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، لأن معالجة هذا الموضوع بمعزل عن القضايا الأخرى لا يفيد سوى الغرب. لكن بتوسيع أفق الجدال، ستجد إيران الأدوات اللازمة للدفاع عن موقفها. في الحد الأدنى، جادل معسكر أحمدي نجاد بأنه ينبغي تكبيد إسرائيل ثمناً لأنها جعلت البرنامج النووي الإيراني مصدر قلق دولياً واسعاً ولأنها أقنعت واشنطن بتبنّي سياسة أكثر تشدداً في هذه المسألة. ويوافق معارضو أحمدي نجاد في المعسكر الأكثر اعتدالاً على ضرورة وضع إسرائيل في موقف دفاعي وتوسيع النقاش، ولكنهم يختلفون عن المعسكر الأول بشكل واضح بشأن الطريقة المثلى لبلوغ تلك الأهداف. وبالاستناد إلى مسؤول إيراني رفيع المستوى، آثر الأشخاص المقرّبون من أحمدي نجاد إثارة مسائل تمكنت إسرائيل من حسمها على مدى العقدين السابقَين: شرعية إسرائيل وحقها في الوجود، وحقيقة المحرقة النازية، وحق اليهود الأوروبيين بالبقاء في قلب الشرق الأوسط. وجادل بأن هذا النهج سيردد صدى الشارع العربي الساخط ويظهر عجز الأنظمة العربية الموالية لأميركا والتي ستشعر بالضغط والإحراج.
وكما فعلت إيران في مستهل الثمانينيات، سعت هنا أيضاً إلى تحييد الحكومات العربية الموالية للغرب في المنطقة عبر مخاطبة الشارع العربي. فإذا جرى عرض حالة الجمود في الموضوع النووي على أنها اعتداء أميركي إسرائيلي على إيران الإسلامية التي نهضت لدعم الفلسطينيين، سيكون من المستحيل على الحكومات العربية ـ بصرف النظر عن مدى كراهيتها لطهران ـ الوقوف في وجه إيران لأن ذلك سيجعلها تبدو بأنها تقف إلى جانب إسرائيل. كانت تلك خدعة إيرانية قديمة، والإسرائيليون على دراية تامة بها بالرغم من عدم قدرتهم على القيام بالكثير لمواجهتها. يقول شلومو بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق: "في رأيي، تبقى هذه، حتى بالرغم من الموضوع النووي، الغاية الرئيسية للخطاب الناري لأحمدي نجاد. إذا كان الخطاب المطروح في الشرق الأوسط خطاباً عربياً، سيتم عزل إيران. لكن في حال كان إسلامياً، ستحتل إيران موقعاً ريادياً. وإذا أضفنا إلى ذلك دعوى حماية إيران والثورة الإيرانية، يتبين لنا لماذا سعوا طوال الوقت إلى معارضة العملية السلمية".
عارضت الأصوات الأكثر اعتدالاً بطهران هذا النهج بسبب الصعوبات التي تكهنوا بأنه سيوجدها للمساعي الدبلوماسية الإيرانية في الموضوع النووي. وهم آثروا أسلوب خاتمي الذي اعتمد على إثارة مسألة معاناة الشعب الفلسطيني وعدم استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات على صعيد الأراضي، مع تجنب القضايا الساخنة مثل حق إسرائيل في الوجود أو المحرقة النازية، وجادلوا بأن رفع الخطاب إلى مثل هذه المستويات سيفشل ويدفع دولاً رئيسية مثل روسيا والصين إلى الانقلاب على إيران. في هذا السياق، جرى تداول جزء من هذه النقاشات علناً على صفحات الجرائد الإيرانية. فقد نشرت صحيفة الشرق الإصلاحية اليومية التي أغلقها أحمدي نجاد بعد أن انتقدته علناً، مقالة افتتاحية انتقدت فيها إنكار الرئيس للمحرقة النازية. ركّز الكاتب على حجتين؛ المحرقة النازية ليست قضية تعني إيران، وأنه بدلاً من قلب الطاولة على رؤوس أعداء إيران، لن تعمل تصريحات أحمدي نجاد سوى على زيادة الأمور سوءاً بالنسبة إلى إيران.
غير أن الذي غاب عن الجدال الداخلي بطهران على نحو ملفت للنظر كان الدوافع والعوامل الإيديولوجية التي تثيرها إيران علناً لتبرير موقفها من إسرائيل. فلم يأتي أحد على ذكر الإسلام أو معاناة الشعب الفلسطيني في النقاشات. وبدلاً من ذلك، بدت بنود الجدال ونتيجته ذات طبيعية استراتيجية صرفة. فقد هدف المعسكران إلى إعطاء إيران زمام المبادرة في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتجنّب مواجهة المصير الذي واجهه العراق عندما ظلت واشنطن من العام 1991 ولغاية الغزو في العام 2003 تسيطر بدرجة كبيرة على مجرى الأحداث. مع أن النظام لم يتوصل إلى إجماع على كيفية حل المسألة، منع آية الله كافة المسؤولين الإيرانيين من تكرار الملاحظات العنيفة حول المحرقة في الوقت الحالي؛ وهو ما كان مدعاة للإحباط بالنسبة إلى أحمدي نجاد.
لا يزال هذا القرار ساري المفعول. فعندما زار أحمدي نجاد نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2006، أثار الصحافيون الغربيون مسألة جرائم المحرقة. لكن بدلاً من تكرار ملاحظاته السابقة، حوّل أحمدي نجاد السؤال إلى جدال مختلف: معرفة ما إذا كان ينبغي على الفلسطينيين دفع ثمن الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا النازية، ولماذا يُعتبر التشكيك في المحرقة جريمة في بعض البلدان الأوروبية. كما وجه أحمدي نجاد سؤالاً إلى أندرسون كوبر من محطة سي أن أن فقال: "إذا حصل هذا الأمر، فأين حصل؟ السؤال الأساسي هو أين. والمكان ليس فلسطين. [إذاً]، لماذا تُستخدم المحرقة النازية ذريعة لاحتلال الأراضي الفلسطينية؟" ثم دعا إلى إجراء المزيد من البحوث في هذا الموضوع مع تجنّبه بالكامل الاعتراف بحقيقة المحرقة أو تكرار وصفه السابق لها بأنها خرافة. لكن حتى بدون تكرار ملاحظاته السابقة، أظهر أحمدي نجاد كيف أن في وسعه إضعاف منافسيه بسهولة بطهران عبر إثارة غضب المراقبين الغربيين.
رجال دين نوويون؟

يتعين معالجة حالة الجمود في موضوع البرنامج النووي الإيراني في هذا السياق أيضاً. كما أن العداوة الإسرائيلية الإيرانية ليست مدفوعة بالاختلافات الإيديولوجية بين الطرفين، فهي ليست ناتجة حصراً عن إحساس إسرائيل بالخطر بسبب النشاطات النووية الإيرانية. لدى إسرائيل مخاوف مشروعة بالتأكيد بشأن الخطط النووية الإيرانية. لكن هذه المخاوف لا تفسر في حدّ ذاتها سبب هذا التحول نحو الأسوأ في العلاقات الإسرائيلية الإيرانية في العام 1992ـ بعد مرور ثلاث سنين على اكتشاف إسرائيل أن إيران أعادت تنشيط برنامجها النووي ـ أو سبب تنحية نتنياهو هذا المخاوف جانباً لفترة مؤقتة في العام 1996 عندما سعى إلى مدّ اليد إلى إيران. يقول كيث وايزمان من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك): "لم تعر إسرائيل اهتماماً في الحقيقة للبرنامج النووي الإيراني إلى أن بدأت العملية السلمية". في ذلك الوقت، كان البرنامج في مرحلة أولية، ولم يكن لدي إيران أجهزة طرد مركزي لليورانيوم، وكانت تفتقر إلى الكثير من المعرفة التقنية اللازمة لتطوير أسلحة نووية، وهي لا تزال كذلك لغاية الآن.
استناداً إلى مراجعة أجرتها الاستخبارات الأميركية، كانت إيران في العام 2005 على مسافة عقد تقريباً من تصنيع المكونة الرئيسية لسلاح نووي. كما أنه وفقاً لعدد من صنّاع السياسة بإسرائيل، بالغ حزب العمل في وصفه للخطر الإيراني لأسباب سياسية. فبالرغم من وجود خطر بعيد، بالغ رئيس الوزراء إسحاق رابين في الحديث عنه للترويج لصيغة الأرض مقابل السلام في أوساط الشعب الإسرائيلي، كما يشرح مستشار سابق لرابين. ففي النهاية، التصرّف الإسرائيلي لا يتفق والفكرة التي تقول بأنها تواجه خطراً وجودياً مصدره إيران. ولو أن هذا الخطر موجود فعلاً، كنا سنتوقع من إسرائيل استكشاف كافة السبل الكفيلة بتحييد ذلك الخطر، بما في ذلك فتح حوار أميركي إيراني. بدلاً من ذلك، عملت إسرائيل بلا هوادة على منع بدء مثل هذا الحوار.
بدأ الشاه البرنامج النووي الإيراني في سبعينيات القرن الماضي. كانت إيران تنتج حينها كميات من النفط تفوق ما تنتجه اليوم، وكان استهلاكها المحلّي أدنى بكثير في تلك الأيام. غير أن الرئيس جيرالد فورد عرض على طهران فرصة شراء منشأة إعادة معالجة أميركية الصنع لاستخراج البلوتونيوم من وقود المفاعل النووي. من خلال ذلك العرض، ستتمكن إيران من امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة، وهو ما سيوفر لها المعرفة اللازمة لإنتاج مواد لصنع قنبلة نووية. لكن واشنطن أرادت الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك. ففي العام 1975، قام وزير الخارجية هنري كنسنجر بتطوير استراتيجية تفاوض لبيع معدات طاقة نووية لإيران كان من المتوقع أن تعود على التجارة الأميركية بأكثر من 6 مليارات دولار. كان ديك تشينين وبول وولفويتز، ودونالد رامسفيلد يشغلون جميعاً مناصب رئيسية في مجلس الأمن القومي في إدارة فورد. لكن بعد مرور أكثر من ربع قرن، أصبح هؤلاء الأشخاص أنفسهم على خط المواجهة في حملة تهدف إلى حرمان إيران من الحصول على تلك التكنولوجيا بالذات مجادلين بأن بلداً يملك ثروة نفطية مثل إيران يهدف من وراء امتلاك هذه التكنولوجيا إلى استخدامها في أغراض عسكرية وحسب.
بالرغم من أن إيران لا تزال على مسافة سنوات من امتلاك القدرة والمادة لصنع قنبلة نووية، فقد وصلت حالة الجمود إلى نقطة حرجة بسبب الجهود الإيرانية الهادفة إلى إتقان عملية تخصيب اليورانيوم. استناداً إلى ما تقوله إسرائيل، بعد أن تتعلم إيران كيفية تخصيب اليورانيوم بكميات كبيرة وعند مستويات إثراء مرتفعة، تكون قد عبرت نقطة اللاعودة. وتكون بذلك قد امتلكت المعرفة التقنية اللازمة، والتي سيكون من شبه المستحيل بعدها منع إيران من التحول إلى بلد نووي. لكن يوجد العديد من المشكلات في هذا التحليل. أولاً: وقّعت إيران ـ بخلاف إسرائيل ـ على معاهدة عدم الانتشار، ويرى أغلب المشاركين في هذه المعاهدة أن إيران تملك الحق بتخصيب اليورانيوم بموجب البند الرابع من المعاهدة، والذي يضمن لكافة الدول "الحق الذي لا يجوز التفريط فيه... في تطوير البحوث في الطاقة النووية وإنتاجها واستخدامها في أغراض سلمية بدون تمييز" . إن إنكار هذا الحق على إيران سيغيّر بنود المعاهدة والتي يتردد العديد من الدول غير النووية في الانضمام إليها ما لم تفِ الدول النووية بالتزامها المنصوص عليها في البند السادس من المعاهدة وتبدأ تفكيك ترساناتها النووية. ثانياً: يقول بعض الخبراء في قضايا عدم الانتشار، بأن مفهوم نقطة اللاعودة مقياس اعتباطي يُستخدم لغايات سياسية. يقول جون وولفْشتال، وهو مسؤول رفيع سابق في وزارة الطاقة: "إن مفهوم نقطة اللاعودة مفهوم غير صحيح، والأصوات التي تستخدمه بأميركا وإسرائيل للدفع في اتجاه التوصل إلى حل سريع أصوات مضللة. إنه مفهوم باطل تستخدمه الجهات التي تريد القيام بعمل فوري".
العمل الفوري هو بالضبط ما يريد الإسرائيليون القيام به. في صيف العام 2006، قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني: "كل يوم ينقضي يقرّب الإيرانيين أكثر من بناء قنبلة. والعالم لا يستطيع التعايش مع إيران نووية". لقد تبنّى اللوبي المؤيد لإسرائيل بواشنطن موقفاً أكثر تشدداً من موقف الحكومة الإسرائيلية نفسها، فخاطب المدير التنفيذي في إيباك، هاوارد كور، خمسة آلاف شخص من مناصري إيباك في مأدبتهم السنوية بواشنطن في 5 مارس/آذار 1993 " إن أوجه المقارنة بين المناخ الجيوسياسي في 5 مارس/آذار 1993 ونظيره في 5 مارس /آذار 2006، مذهلة من حيث التشابه بينهما، ولكنها رهيبة من حيث مضمونها". وقبل أن يلقي كور خطابه، شاهد الحضور سلسلة من الفيديو كليبات التي تقارن بين وصول أدولف هتلر إلى السلطة وفترة حكم أحمدي نجاد كرئيس لإيران. بذل الإسرائيليون ضغوطاً هائلة على إدارة بوش لحملها على التحرّك، ولعبوا دوراً رئيسياً في إقناع واشنطن بتبنّي سياسة تعارض التخصيب بالمطلق، مما يعني أنه يتعين حرمان إيران بالكامل من أية تكنولوجيا متعلقة بالتخصيب، ويصر الإسرائيليون على القول إنه حتى البرنامج التجريبي الصغير لن يكون مقبولاً لأن إيران ستظل قادرة على تعلّم كيفية استخدام هذه التكنولوجيا انطلاقاً من هكذا برنامج. وما من مرة صدرت تلميحات من إدارة بوش تشير إلى استعدادها للتوصل إلى تسوية إلاّ ودقّ الإسرائيليون أجراس الإنذار.
على سبيل المثال، عندما عبّرت إدارة بوش عن دعمها لاقتراح بسمح لإيران بمواصلة تطوير برنامجها النووي طالما أن عملية التخصيب تجري بروسيا، وقفت إيباك بحزم ضدّ إدارة بوش. وفي إيجاز لأعضاء الكونغرس، سُئل دبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى عن نوع نظام التحقق الذي سيُشعر الإسرائيليين بالاطمئنان إلى برنامج نووي سلمي إيراني. وبدون تردد أجاب هذا الدبلوماسي: "لا يوجد". بالمقابل، قال إن الضمانة الوحيدة المقبولة لدى إسرائيل هي "إضعاف قاعدة إيران الصناعية". وقال الإسرائيليون بأنه في حال لم تقم الولايات المتحدة بعمل سريع ضدّ إيران، فقد "تحتاج (الدولة اليهودية) إلى المضي في هذا الأمر بمفردها"، في إشارة إلى أنه ربما تحاول تدمير المنشآت النووية الإيرانية بنفسها.
سبّب احتمال شنّ هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية صداعاً حادّاً للبيت الأبيض، لأن اللوم سيُلقى على الولايات المتحدة تلقائياً في هذا العمل؛ بصرف النظر عما إذا كان الرئيس قد أعطى الإسرائيليين الضوء الأخضر أم لا. وبما أن إسرائيل لا تملك بمفردها القدرة العسكرية على تدمير البرنامج الإيراني بنجاح عبر توجيه ضربات جوّية، فالتهديدات المبطّنة التي تطلقها تل أبيب تهدف على الأرجح إلى الضغط على واشنطن لكي لا تليّن من موقفها عبر تحذيرها من العواقب المترتبة على شنّ هجوم إسرائيلي على إيران: تصعيد خطير في العنف في المنطقة سيشكل خطراً جدّياً على أمن الولايات المتحدة، بالنظر إلى موقف واشنطن الذي يزداد ضعفاً بالعراق. وسواء أراق الأمر لواشنطن أم لا، ستغرق لا محالة في الفوضى التي ستلي ذلك.
المثير للسخرية هو أن إيران ربما لا تريد بناء سلاح نووي كهدف في حدّ ذاته، وإنما تريد امتلاك القدرة على التحول إلى دولة نووية في حال واجهت خطراً وشيكاً. (لكن لا تزال القوى الغربية ترى في امتلاك إيران مثل هذه القدرة مشكلة كبيرة). وأشار المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة الذرّية محمد البرادعي إلى أن الخيار المفضَّل لدى إيران هو امتلاك القدرة على صنع الأسلحة من غير أن تعمد إلى صنعها، وقال البرادعي بأن معرفة الإيرانيين كيفية تخصيب اليورانيوم رادع في حدّ ذاته وإلى أنهم "ليسوا بحاجة إلى سلاح؛ التخصيب عبارة عن رسالة". وعزز مدير الوكالة تعليقاته التي أدلى بها في نيوز آور مع جيم ليهْرِر في 18 مارس/ آذار 2004 بالقول: "حسناً، ما أردت أن أقوله هو... إذا كنتم تملكون برنامجاً للتخصيب أو برنامجاً لإعادة المعالجة، فهذا يعني أنكم تستطيعون إنتاج اليورانيوم... وأنتم من الناحية الفعلية تبعثون برسالة بأننا نعرف كيفية القيام بذلك في حال قررنا صنع سلاح. نحن لسنا بحاجة إلى تطوير سلاح، ولكننا نقول لكم، أنتم تعرفون، كما يعرف العالم وكما يعرف جيراننا بأننا نستطيع القيام بذلك".
يدرك الإيرانيون جيداً أن قراراً بامتلاك أسلحة نووية سيضعف الموقف الإستراتيجي لإيران على الأرجح بدلاً من أن يقوّيه. وطالما تم الإبقاء على الشرق الأوسط خالياً قدر الإمكان من الأسلحة النووية، ستتمتع إيران بتفوق في ميدان الأسلحة التقليدية على جيرانها بسبب حجمها ومواردها. لكن في حال امتلاك إيران أسلحة نووية، فستخاطر بإشعال سباق على تسلّح نووي يمكن أن يدفع دولاً صغيرة إلى امتلاك قدرة نووية أيضاً. عندما يصبح الشرق الأوسط على هذه الحال، ستخسر إيران تفوقها التقليدي، وتجد نفسها في وضع مساوٍ من الناحية الاستراتيجية لدول تكبرها إيران حجماً بأكثر من عشرين مرة. هذا هو الدافع الذي يفسر جزئياً سبب انضمام إيران إلى دولة إقليمية أخرى ذات كثافة سكانية عالية - مصر- بالدعوة إلى إبقاء الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية في سبعينيات القرن الماضي. فبوصفهما دولتين كبيرتين، لا يوجد لدى إيران ومصر ما تكسبانه لكن يوجد لديهما كل ما تخسران بامتلاك أسلحة نووية. (لا يوفق الإسرائيليون على هذا التحليل ويفترضون بأن الإيرانيين سيسعون إلى امتلاك سلاح نووي مهما كانت الظروف).
يضاف إلى ذلك أن إيران تعتقد بأنها تملك قدرات ردعية فاعلة في مواجهة كافة الدول التي في المنطقة تقريباً، بما في ذلك إسرائيل، وأنها ليست بحاجة إلى أسلحة نووية لثني الدولة اليهودية عن مهاجمة إيران. يقول سفير إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف، في إشارة إلى القدرات غير النظامية التي تملكها إيران بلبنان: "من وجهة نظر الحكومة، لن تشكل أسلحة الدمار الشامل رادعاً لإسرائيل. لكن لدينا روادع أخرى تعمل بشكل أفضل". غير أن الخطر الوحيد الذي تفتقر إيران إلى أي رادع فاعل لمواجهته هو الولايات المتحدة (بالرغم من أن إيران تملك رادعاً جزئياً من خلال نفوذها لدى شيعة العراق، وهو ما يمكن أن يلحق أذى كبيراً بالاحتلال الأميركي الآخذ في الانهيار أصلاً هناك). لكن في حال أمكن تحسين العلاقات بالولايات المتحدة، ربما تُحرم إيران من أحد الدوافع الرئيسية لامتلاك أسلحة نووية.
هل يمكن ردع طهران؟

يمكن فهم خوف إسرائيل من إيران نووية، حتى وإن كانت إسرائيل لا تعتقد بأن إيران ستستخدم بالضرورة أسلحة الدمار الشامل ضدّها. فهذا سيؤدي بالتأكيد إلى دمار إيران نفسها: يعرف القادة الإيرانيون المدنيون منهم والعسكريون أن ترسانة إسرائيل تضمّ مائتي رأس حربي نووي، وأنها قادرة على توجيه ضربة ثانية بواسطة غواصاتها الثلاث من طراز دولفين والمجهزة بصواريخ نووية. على النقيض من الفكرة التي تصوّر الإيرانيين بأنهم "رجال... مجانين"، يقرّ أغلب المفكرين الاستراتيجيين بإسرائيل بأن الحكومة الإيرانية متطرّفة وراديكالية ولكنها حكيمة.
في الواقع، يمكن القول إن إيران عدو عاجز أمام إسرائيل لأنها لا تتصف باللاعقلانية والتهور. إيران تتصرف بمهارة كبيرة وحذر بالغ على نحو يفوق العديد من أعداء إسرائيل التقليديين. ففي حين كان صدام متهوراً ومغامراً وارتكب أخطاء استراتيجية كبيرة بمهاجمته إيران في العام 1980 وغزوه للكويت في العام 1990، عملت طهران وفقاً لمبادئ مختلفة تماماً. حتى في أغلب الفترة التي سيطرت فيها الإيديولوجية على الثورة الإيرانية، لم تتصرف إيران بطريقة متهورة أو بدون تحسس لخسائرها أبداً. يقول إيهود ياري، وهو إعلامي تلفزيوني إسرائيلي محنّك: "الناس هنا يحترمون الإيرانيين والنظام الإيراني. وهم يعتبرونهم لاعبين في غاية الجدّية ويدرسون خطواتهم بعناية". يتفق معه إفرايم هالفي، الرئيس السابق للموساد، في الرأي ويقول: "أنا لا أعتقد أنهم غير عقلانيين، بل إنني أعتقد أنهم عقلانيون جداً. ووصفهم باللاعقلانية تهرّب من الحقيقة ووسيلة للابتعاد عن الواقع". وطالما أن الطرف الآخر عقلاني، ستتوفر للقدرة الردعية الإسرائيلية في مواجهة خطر إيراني نووي فرصة كبيرة للنجاح لأن الإيرانيين يعرفون بالضبط الثمن المترتب على مهاجمة إسرائيل، كما يقول روفين بيدأتْزور، مدير مركز غاليلي الاستراتيجيا والأمن القومي ومقاتل طيار في سلاح الجو الإسرائيلي الاحتياطي.
ربما تكون العقلانية التي تتصف بها إيران السبب الذي يفسر أيضاً عدم تقاسمها أسلحة كيميائية أو بيولوجية مع أي من وكلائها، ولماذا يرجَّح ألاّ تتقاسم إيران نووية الأسلحة النووية مع الجماعات الإرهابية. كانت إسرائيل قد أطلقت إشارات إلى إيران بأنها ستنتقم من أي هجوم نووي على إسرائيل بضرب إيران؛ بصرف النظر عن الجهة التي هاجمت إسرائيل. وقد استوعبت طهران بشكل كامل فحوى تلك الإشارة؛ في حال هوجمت إسرائيل من قبل أي من وكلاء إيران برأس حربي نووي، فستدمر إسرائيل إيران. لكن حتى بدون هذا التحذير الصارم، من غير المرجح أن تتقاسم إيران أسلحة الدمار الشامل مع وكلائها لأن هؤلاء لن يتصرفوا عندئذ كوكلاء في حال امتلكوا مثل هذه الأسلحة. ففي النهاية كل ما تطمح إليه إيران هو أن تصبح قوة إقليمية بدون منازع. وبالنظر إلى ميلها إلى اعتبار كافة البلدان الأخرى منافسة محتملة لها، من المستبعد جداً أن تقوّض هدفها بتقاسمها التكنولوجيا الحساسة مع أي من وكلائها. وإذا أردنا أن نحكم بناء على تصرفات طهران السابقة، يتبين أن القيادة الإيرانية أكثر دهاء من أن ترتكب خطأ مدمراً لا يمكن تصحيحه.
هناك وجهة نظر ضعيفة بإسرائيل، تسمى وجهة النظر البيغنية، وتحظى بتأييد أشخاص من أمثال نائب وزير الدفاع إفرايم سنيه، والعضو في الكنيست أوزي لاندو، والجنرال عموس جلعاد. يجادل هؤلاء بأنه يتعين أن يكون المبدأ الاستباقي لمناحيم بيغن ـ الذي دمّر المفاعل النووي العراقي بقصف أوزيراك في العام 1981 ـ هو الموجّه لطريقة تعاطي إسرائيل مع إيران. واستناداً إلى هذه المدرسة الفكرية، تتميز الدول الواقعة في الشرق الأوسط باللاعقلانية والتهور، ونتيجة لذلك لا يتوفر خيار رادع ثابت" أي أن إسرائيل لا تتحمل المجازفة مع أعداء مثل هؤلاء. والدفاع الوحيد المتوفر هو ضمان عدم امتلاك هذه البلدان تكنولوجيا نووية عبر تدمير منشآتها النووية بضربات استباقية.
غالباً ما يشير المدافعون عن هذا الخط إلى تصريح أدلى به رفسنجاني في مستهل العام 2002، عندما ناقش كيفية جعل دولة إسرائيل الصغيرة أكثر انكشافاً أمام هجوم نووي، ملمّحاً ـ كما يقول البيغنيون ـ إلى أن إيران تعتقد بأنها تستطيع أن تحقق النصر في حرب نووية مع إسرائيل. (اتَّهم رفسنجاني إسرائيلَ في وقت لاحق بتشويه تصريحه). في النهاية، يملك البيغنيون تأثيراً في الخطاب الإسرائيلي وفي توصيف الصراع أقوى من تأثيرهم في السياسة الفعلية المتَّبعة مع إيران. لكن إذا كانت إيران دولة غير عقلانية ومتهورة، فلماذا لم تقدم على عمل متهور لغاية الآن؟ يبدو أن الجمهورية الإسلامية رفضت على مدى السنين السبع والعشرين الأخيرة كافة الفرص التي تؤدي إلى دمارها. في الواقع، يرجح أن رجال الدين باتوا اليوم أقوى من أي وقت مضى. وبالنظر إلى المشكلات الداخلية العديدة التي تعاني منها الحكومة الإيرانية ونفور الناس منها في الداخل وفي الخارج، من الصعب فهم كيف تمكن رجال الدين من تحقيق هذا النجاح لو كانوا غير عقلانيين.
مع ذلك، ليس بالأمر المفاجئ أن العديد بإسرائيل توصّلوا إلى الاستنتاج بأن طهران غير عقلانية لأن هذا ما يودّ رجالُ الدين أن يراه أعداء إيران. لكن خلف سلوكهم المتناقض، غالباً ما تكمن سياسة وحيدة صيغت بعناية شديدة. فإيران تستخدم هذا التناقض لكي تخفي مصالحها، وتترك انطباعاً بأنها غير عقلانية ولا يمكن التوقع بتصرفاتها، وهو ما يُطلق عليه "انعدام العقلانية المتقمَّص". ويقول أمير مهيبيان، وهو استراتيجي محافظ بارز" "ينبغي ألاّ نكون دولة يمكن لأعداء إيران معرفة طريقتها في التفكير والتوقع بما ستقوم به. لم يكن في مقدور الولايات المتحدة أن تعبث مع الإمام الخميني لأنه لم يكن في الإمكان معرفة طريقته في التفكير... ويرجع سقوط صدام إلى أن طريقته في التفكير كانت معروفة. وهم عرفوا أنه حتى لو كان يملك أسلحة دمار شامل فهو لم يكن ليجرؤ على استعمالها".
هذه الطريقة في التفكير ليست محصورة بمعسكر المحافظين بإيران. فاستناداً إلى أحد معاوني مستشار الأمن القومي الإيراني، هذه الطريقة متجذّرة في تجارب إيران على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، عندما مكّن انفتاحُ البلاد القوى الخارجية من التلاعب بها من أجل استغلال ثرواتها الطبيعية وجعلها دولة تعتمد على الغرب. ترى الحكومة الإيرانية بأنه "ينبغي البقاء على مسافة محسوبة بعيداً عن الأجانب"، على حدّ تعبير هذا المعاون. ويضيف "عليك ألاّ تجعلهم يفهمون كيفية إدارتك لشؤونك الخاصة. لهذا السبب، أعتقد بأن إثارة الحيرة أمر مقصود. ولهذا السبب يسمحون للمؤسسات المختلفة بالتعبير عن العديد من السياسات المتناقضة، ولا بأس بذلك. فهذا يوفّر لإيران الأمن لأننا نعرف ما نريد أن نقوم به". ربما تكون إيران قد خدعت الكثيرين في إسرائيل بهذه الاستراتيجية، ولكنها أسهمت أيضاً بانعدام الثقة المطلق بين إيران والعالم الخارجي، وهذا بدوره زاد من صعوبة التوصل إلى حل لمشكلات إيران مع الولايات المتحدة ومع المجتمع الدولي.
سواء أكانت إيران عقلانية أم لا، متهورة أم لا، كانت تنوي مهاجمة إسرائيل أما لا، ستشكل إيران النووية بالرغم من ذلك مشكلة لإسرائيل بسبب تأثيرها في قدرة إسرائيل على المناورة الاستراتيجية. فالخطر الحقيقي الذي تراه إسرائيل في إيران تملك قدرة نووية له شقّان. الشق الأول هو أن إيران التي لا تملك أسلحة نووية ـ ولكن في مقدورها إنتاجها ـ ستلحق ضرراً بالغاً بقدرة إسرائيل على ردع المنظمات المسلحة الفلسطينية واللبنانية. وستضرّ بصورة إسرائيل بأنها الدولة الوحيدة المزودة بأسلحة نووية في المنطقة وتحطم الأسطورة التي تقول بأنها دولة لا تُقهر. عن هذه الصورة، قال لي جلعاد: "إنها أقوى عامل في إرساء السلام. إنها الرادع الذي نملكه". بالتالي، يمكن لقدرة ردعية إيرانية أن تقوض التفوق العسكري لإسرائيل، وتمنعها من إملاء شروطها الخاصة بالسلام ومتابعة خططها الخاصة بالسلام بطريقة أحادية. يقول سنيه: "لا يمكننا تحمّل وجود قنبلة نووية في حوزة أعدائنا نقطة على السطر. إنهم لن يكونوا بحاجة إلى استخدامها، لأن مجرد امتلاكهم لها يعتبر كافياً". يمكن لإيران النووية أن تجبر إسرائيل على القبول بتسويات مناطقية مع جيرانها لحرمان إيران من الذرائع العداوانية التي يمكن أن تستخدمها ضدّ الدولة اليهودية. وإسرائيل لن تتحمّل ببساطة الدخول في منافسة نووية مع إيران ومواصلة نزاعاتها على الأراضي مع العرب في الوقت نفسه. الشق الثاني إن الرادع والقوة التي ستمتلكهما إيران من جرّاء امتلاك دورة الوقود سيجبران واشنطن على التوصل إلى اتفاق مع طهران بحيث يصار إلى الاعتراف بإيران قوة إقليمية، مما سيُكسبها أهمية استراتيجية في الشرق الأوسط على حساب إسرائيل.
خيارات واشنطن: بين المطرقة والسندان

عندما يتعلق الأمر بإيران والمنافسة الإيرانية الإسرائيلية، الاعتقاد الشائع هو أن واشنطن لا تملك أي خيارات جيدة. لكن بعض الخيارات أسوأ من البعض الآخر. يستند بعض هذه الخيارات إلى نظريات خيالية لها القليل من الارتباط بالواقع، مثل إصرار إسرائيل على البقاء مخلصة للمبدأ المحيطي في الثمانينيات حتى بعد وصول آية الله الخميني إلى السلطة بإيران. فقد استندت النظرة الكونية للإسرائيليين على فرضيات بسيطة حول آليات العلاقات الدولية التي أخفقت في أخذ المصالح المتضاربة لإيران بعين الاعتبار. فمن ناحية، اعتقدت إسرائيل أن الصدع العربي الإسرائيلي عميق لدرجة أنه لن يمكن التوصل إلى سلام حقيقي مع العرب (على الرغم من الاتفاقية التي توصلت إليها إسرائيل مع مصر في كامب ديفيد1)؛ ومن ناحية أخرى، افترضت أن إيران تسير على المسار نفسه الذي سارت عليه إسرائيل أي أن إيران ستبقى دائماً على طرفي نقيض مع جيرانها العرب بسبب الصدع العربي الفارسي، مما يجعلها حليفاً طبيعياً ودائماً لإسرائيل بغض النظر عن رغبات حكام طهران. فالحقائق الجيوسياسية لن تترك ببساطة لإيران خيارات أخرى. وبناء على هذه الافتراضات، تكوّنت فكرة عما ينبغي أن يكون عليه سلوك إيران، وعندما لا ينسجم سلوك إيران مع هذه الفكرة، لا يتم التشكيك في صحة الافتراضات التي بُنيت عليها هذه الفكرة. وبدلاً من ذلك، يُنظر إلى تصرف إيران على أنه غير عقلاني ومؤقت، وأن إيران ستعود إلى رشدها عاجلاً أو آجلاً.
هذه النظرة البعيدة عن الواقع هي التي ميّزت مقاربة إدارة بوش في الشرق الأوسط من 11 سبتمبر/ أيلول. إحدى النظريات الخيالية التي استثمر فيها البيت الأبيض في عهد بوش الكثير من الطاقة والأمل هي تغيير النظام بإيران، والذي اعتمد هو نفسه على الفكرة التي تقول إنه مع وجود نظام مختلف يحكم طهران، سنُحلّ المشكلات بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك المشكلات بين إسرائيل وإيران، تلقائياً بطريقة أو بأخرى. يقول سنيه: "في اللحظة التي يزول فيها النظام الإسلامي، ستتغير العلاقة الإسرائيلية الإيرانية بزاوية مقدارها 180 درجة". بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي تمتعت بها إسرائيل والشاه، من السهل التوصل إلى هذا الاستنتاج المشكوك فيه. لكن هناك الكثير من الخلاف حول هذه النقطة بإسرائيل. فالبعض، مثل ميناشي أمير، المدير الأسطوري لراديو إسرائيل الناطق باللغة الفارسية، يرى في الحماسة الدينية للقيادة الإيرانية السبب الوحيد للعداوة بين البلدين. وهو قال لي في مكتبه بالقدس، والمزّين بالمشغولات الحرفية واللوحات الزيتية الإيرانية: "اليوم، إيران في حالة عداء مع إسرائيل لأسباب دينية. غير أن الأنظمة الإيرانية المستقبلية لن تعاني من تلك المشكلة".
البعض الآخر يجادل بأن تغييراً في القيادة الفردية أو في النظام بطهران لن يؤثر في الدافع النووي لدى إيران. وربما تكون حكومة علمانية وديموقراطية في طهران أكثر ميلاً إلى امتلاك قنبلة نووية، كما يقول رنعان غيسين، المتحدث باسم أرييل شارون، أو في الحد الأدنى، ستكون رازحة تحت ضغط شعبي لمواصلة البرنامج النووي بالوتيرة نفسها. ويقول أوزي أراد، مدير الاستخبارات السابق في الموساد والبروفسور في مركز المناهج العلمية المتعددة بمرتزيليا: "لا يمكن لإسرائيل أن تثق بأن الإصلاح بإيران سيزيل الخطر الاستراتيجي الذي يهدد إسرائيل". وبالإضافة إلى ذلك، لا توجد ضمانة بأن إيران ديموقراطية ستكون أكثر استقراراً أو أقل راديكالية مما هي عليه في ظل النظام الحالي. يقول الجنرال أمنون شاحاك: "إذا كان تغيير النظام أمراً ممكناً، سيكون الخطر موجوداً هناك. سيكون وضعاً غير مستقرّ وسيبقى نظاماً غير مستقر". وكما حلّت حكومة راديكالية محلّ نظام الشاه، يمكن أن يواجه نظام ضعيف بإيران المصير نفسه. بدوره، يرفض جلعاد المناقشة برمتها باعتبار أنها أكاديمية وبدون طائل لأنه من غير المرجّح، في نظره أن يسقط النظام. وهو يقول: "أنا أستبعد أية إمكانية لتغيير النظام". بقدر ما يعتبر رجال الدين سبباً لإثارة المشكلات، لكن طبيعة النظام الديني ليست سبب العداوة بين إسرائيل وإيران أو بين الولايات المتحدة وإيران. ففي النهاية، كانت التغييرات الجيوسياسية هي التي أشعلت المنافسة الإسرائيلية الإيرانية بعد انتهاء الحرب الباردة، وليس الإيديولوجية أو طبيعة القيادة بإيران. كما أن الثورة الإسلامية لم تضع حداً لسعي إيران إلى التفوق (في الواقع، زادت من الحماسة له في البداية)، ولا يمكن القول بأن إيران علمانية ستكون أقل ميلاً إلى السعي إلى رفعة الشأن وأكثر تقبّلاً لدور خجول في الشؤون الإقليمية.
فشل الاحتواء ـ حرب لبنان في العام 2006

السياسة الفاشلة الأخرى هي سياسة الاحتواء؛ الفكرة التي تقول بأن الصراع يكمن في احتواء إيران وإضعافها. هذه السياسة لم تفشل وحسب، بل وحوّلت وضعاً سيئاً إلى وضع أكثر سوءاً يجعل إيران دولة أقوى وأشدّ غضباً. المحاولة الأخيرة لإضعاف إيران ـ الحرب التي اندلعت في صيف العام 2006 بلبنان ـ توضح هذه النقطة. فبالرغم من أن إسرائيل لم تتوقع الهجوم الحدودي الذي شنّه حزب الله في 12 يوليو/ تموز وأسر اثنين من جنودها، إلاّ أن الدولة اليهودية كانت قد خططت، واستعدت لحرب تشنّها على حزب الله منذ أكثر من سنتين. ففي العام 2005، بدأ ضابط رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي بتقديم عروض تقديمية أمام دبلوماسيين أميركيين، وصحافيين، ومفكرين، توضح بتفصيل مخيف خطة العملية المتوقعة. يقول البروفسور جيرالد ستاينْبيرغ من جامعة بار إيلان: "من بين كافة الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ العام 1948، كانت هذه الحرب التي استعدت لها على الوجه الأكمل". في البداية، سار كل شيء وفقاً للمخطط المرسوم. فبعد أن أعطت واشنطن إسرائيل بركتها ودعمها ـ أشارت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى الاقتتال بأنه "آلام ولادة شرق أوسط جديد" ـ اجتمع رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي دان حالوتس ومجموعة كبيرة من الضباط على عمق عدة مئات من الأقدام تحت الأرض في المعقل القيادي التابع لسلاح الجو الإسرائيلي بتل أبيب لمراقبة التطورات. في كوقت متأخر من مساء 12 يوليو/ تموز، وردت أولى التقارير إلى مقرّ القيادة. فقد دمّرت المقاتلات الإسرائيلية أربعاً وخمسين منصة صواريخ وعادت إلى قواعدها سالمة. بعد أن شعر حالوتس بالارتياح، اتصل برئيس الوزراء إيهود أولمرت في منزله بالقدس وأعلن بفخر: "تم تدمير كافة الصواريخ بعيدة المدى". لكنه لم يتوقف عند هذا الحدّ. فبعد لحظة صمت قصيرة، أضاف: "لقد انتصرنا في الحرب".
في هذه الأثناء فيما كان المحافظون الجدد بواشنطن يضغطون على إدارة بوش لا من أجل دعم الحرب وحسب، بل ومن أجل المشاركة فيها أيضاً، كان صنّاع السياسة بطهران يرتعدون خوفاً. فقد تفاجأ كل من حزب الله وإيران بحجم الردّ الإسرائيلي على الغارة. قال نائب أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في وقت لاحق للصحافيين: "توقعنا أن يكون ردّ إسرائيل على أسر الجنديَّين قصفاً مدفعياً يدوم يوماً أو يومين على الأكثر أو شنّ هجمات محدودة على أماكن معينة". كانت الاستخبارات الإيرانية قد حذّرت القادة السياسيين بطهران من أن إسرائيل أعدّت خططاً لمهاجمة لبنان في وقت لاحق، في أكتوبر/ تشرين الأول 2006، لكن لم تصلها أية إشارات تدلّ على أن الحرب ستكون بهذا الحجم أو أنها ستبدأ في كوقت مبكر في يوليو/ تموز. يقول ناصر هاديان، الاتساتيجي الإصلاحي: "كانت تلك نعمة على إسرائيل. لقد وفر لها حزب الله الفرصة الذهبية لكي تشنّ هجومها".
تخوفت إيران من أن واشنطن وإسرائيل تمهدان الطريق أمام بدء مواجهة عسكرية مع إيران عبر استئصال حزب الله أولاً؛ خط الدفاع الإيراني الأول، وخشيت طهران أن تكون تلك أكثر من حرب بالوكالة، خشيت أن تكون توطئة لتصفية حساب نهائية. تكهن الخبراء بالولايات المتحدة بأن إيران عمدت إلى إشعال فتيل الصراع لصرف الأنظار بعيداً عن مشكلة البرنامج النووي الإيراني، لكنّ الشعور الذي ساد بطهران هو أنه "تم هدر إحدى أوراق إيران بدون داعٍ" عبر الهجوم المتهور الذي قام به حزب الله على إسرائيل، وسرى اعتقاد بطهران بأن مواجهة مباشرة بين المسلحين والجيش الإسرائيلي لن تكون على الأرجح في صالح حزب الله. يقول محسن رضائي، أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام: "عرفت إسرائيل والولايات المتحدة أنه طالما أن حماس وحزب الله موجودان هناك، ستكون المواجهة مع إيران مكلفة. ولذلك لكي يتعاملا مع إيران، هما يريدان أولاً التخلص من القوى المقربة من إيران بلبنان وفلسطين". حول هذه النقطة، لا يبدو أن هناك خلافاً بين الإسرائيليين والإيرانيين. فعلى مدى سنين كثيرة والقلق ينتاب الإسرائيليين من الحشد العسكري لحزب الله. ومع نشره آلافاً من القذائف والصواريخ، صار في مقدور هذا الحزب الشيعي ضرب أجزاء واسعة من شمال إسرائيل. من خلال حزب الله، اكتسب الإيرانيون قدرة ردعية ورافعة لم تقبل بها إسرائيل. الفكرة التي استحوذت على أذهان الإسرائيليين هي أن القتال بلبنان لا علاقة له بحزب الله وحسب، بل وبإيران أيضاً. قال ستاينبيرغ لمجلس العلاقات الخارجية: "أحد أهداف هذه الحرب، بدرجة معينة، هو التأكد من أنهم عندما يشاهدون بطهران صور بيروت، سيفكرون أيضاً بما قد يحصل لطهران".
لكن لا آمال إسرائيل ولا مخاوف إيران تحققت. فبعد إحراز بعض النجاحات الأولية، ذُهل الإسرائيليون من الردّ القوي لحزب الله، والذي شمل إطلاق آلاف من صواريخ الكاتيوشا على شمال إسرائيل. وبدلاً من أن يواجه الإسرائيليون تنظيماً غير محترف، أدركوا بعد وقت وجيز أنهم يقاتلون قوات حسنة التدريب والتجهيز. حتى أن حزب الله استخدم صاروخ سي ـ 807 صيني الصنع ضدّ سفينة حربية إسرائيلية قبالة الشاطئ اللبناني وأخذ الإسرائيليين على حين غرّة وأعطب السفينة. فشلت الاستخبارات الإسرائيلية في التوصل إلى معرفة كاملة قبل الحرب بما كان يخبئه حزب الله في ترساناته. خاض حزب الله حرباً عالية التقنية، وأولى عناية فائقة للحرب الإعلامية بقدر ما اعتنى بالقتال الذي كان يجري على الأرض. وتمكن مقاتلو حزب الله، الذين تلقوا تدريباتهم وعتادهم من الإيرانيين، من فكّ رموز شيفرة الاتصالات اللاسلكية الإسرائيلية، واعترضوا تقارير تتحدث عن الإصابات التي تكبّدوها. فيما من مرّة قُتل فيها جندي إسرائيلي إلا وتأكد حزب الله من صحة الخبر عبر التنصّت على الاتصالات اللاسلكية الإسرائيلية ليرسل بعد ذلك تقاريره مباشرة إلى محطته التلفزيونية الفضائية ـ المنار ـ التي كانت تبثّ الأخبار على الهواء مباشرة. هكذا، عرف الجمهور العربي أسماء من أصيبوا من الإسرائيليين والأماكن التي قُتلوا فيها قبل أن يتسنّى للجيش الإسرائيلي فرصة إبلاغ ذويهم. إن الوقع النفسي لهذه العملية على الإسرائيليين ـ الذين اعتادوا على التفوق على جيوش جيرانهم العرب ـ كان مدمّراً.
مع تتابع مجريات الحرب، غيّر سوء الحسابات التكتيكية وقصر النظر الاستراتيجي الإسرائيلي الوضعَ على الأرض؛ فضلاً عن الرأي العم بإسرائيل. ففي الأيام الأولى للمعارك، كانت الغالبية العظمى من الشعب الإسرائيلي تؤيد الحرب، حيث اعتُبرت حرباً دفاعية وضرورية لوضع حدّ نهائي للهجمات الحدودية التي يشنّها حزب الله. لكن سرعان ما تحوّلت البهجة الأولية للقيادة الإسرائيلية ـ وللشعب الإسرائيلي ـ إلى يأس. بعد مرور بضعة أسابيع من القتال من غير أن تظهر إشارات تدلّ على تحقيق الجيش الإسرائيلي مكاسب واضحة، أظهرت استطلاعات الرأي أن 63 في المائة من الإسرائيليين يعتقدون بأنه ينبغي على أولمرت أن يقدّم استقالته. وأبدى 74 في المائة رغبتهم في استقالة وزير الدفاع عمير بيريز المغربي المولد أيضاً. وتحوّلت صيحة الحرب التي كانت في بداية الحرب تقول: "دعوا إسرائيل تفوز" بحلول الأسبوع الثالث إلى "سنرضى بالتعادل". ومع انتهاء الحرب بعد أربعة وثلاثين يوماً، قال الإسرائيليون الساخرون بأنه لم يكن مهماً انتصار إسرائيل أو هزيمتها، ولكنّ المهم شاركت في المباراة، وبدلاً من تقوية صورة الردع الإسرائيلي الذي لا يُقهر وتعزيزها، أدّت الحرب التي كان من المفترض أن تُضعف إيران إلى جعل إسرائيل أكثر انكشافاً وحسب. وبالرغم من تلقي حزب الله الضربات (وكذلك لبنان بوجه عام، حيث قُتل ما يزيد عن ألف شخص كانوا في غالبيتهم من المدنيين، وتعرّضت البنية التحتية للبلاد لقصف منهجي من قبل إسرائيل منذ الأيام الأولى للحرب)، لم تلحق بقدراته الاستراتيجية أضرار كبيرة، وربما تعززت قوته السياسية داخل الخليط اللبناني الطائفي المعقد. وظلت إسرائيل معرضة للخطر بعد الحرب بقدر ما كانت معرضة له قبلها.
كان الإيرانيون في عداد من فوجئوا بالنتيجة أيضاً أي بالقدرة القتالية التي أظهرها حزب الله. كان الخوف، والتوقع إلى حدّ ما، أن تقوم إسرائيل بتدمير حليفها اللبناني، وبعد ذلك "تتغير الحسابات الإقليمية برمّتها لغير صالح إيران". بدلاً من ذلك، ارتفع رصيد إيران -وأكثر منه رصيد حزب الله - في الشارع العربي إلى مستويات غير مسبوقة، وانتاب الضعفُ إسرائيل والولايات المتحدة، ووجدت الحكومات العربية الموالية للغرب نفسها محاصرة بين شعوبها المتذمّرة وبيت أبيض أبدى قليلاً من المراعاة لمصالح حلفائه ورغباتهم. قام بعض الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة بخطوة غير عادية في الأيام الأولى للحرب بانتقاد حزب الله على تسببه بإشعال الحرب. بالمقابل عملت إدارة بوش على إطالة أمد الحرب بدلاً من تقصيره، وأحرجت حلفاءها العرب بإظهار انه ليس لديهم نفوذ في البيت الأبيض برئاسة بوش. وفي الوقت نفسه، كان الدعم الشعبي لحزب الله قوياً جداً لدى شعوب الحكومات التي انتقدت عملية حزب الله لدرجة أن قادة هذه البلاد عمدوا إلى تغيير موقفهم من حزب الله بسرعة. ولزيادة الأمور سوءاً، لم ينجم عن الخطورة الإسرائيلية تقوية إيران وحسب، بل إن إيران استفادت من إضعاف واشنطن لمنافسيها العرب.
فشل الاحتواء أيضاً عندما كانت الظروف أكثر مواتاة للولايات المتحدة، فباتت واشنطن وتل أبيب تواجهان الآن وضعاً مختلفاً بالكلّية عن الوضع الذي كان سائداً في العام 1993 عندما وُضعت سياسة الاحتواء قيد التطبيق للمرة الأولى من خلال العملية السلمية. في ذلك الوقت، كانت واشنطن في ذروة مجدها، فيما انهار الاتحاد السوفياتي. وفيما كان النظام العالمي الجديد قيد التكوين، أضحت الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة في العالم، وأضحى رصيد واشنطن، من الناحية الدبلوماسية، كبيراً بالمثل. وبعد ذلك، شكّل وزير الخارجية جايمس بيكر ائتلافاً عريضاً ـ ضمّ عدداً كبيراً من الدول العربية ـ لطرد صدام من الكويت، ووفى بوعده بأن التعاون العربي ضدّ العراق سيليه ضغط من أجل التوصل إلى سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. من ناحية أخرى، كانت إيران ضعيفة، وكانت لا تزال تستعيد عافيتها بعد الحرب العراقية الإيرانية، فيما بقيت علاقاتها مع الدول العربية ومع أوروبا مجمّدة. بالرغم من ذلك، تبيّن أن عزل إيران في تلك الفترة كان أصعب مما تصوّرته واشنطن. وبالرغم من الجهود المكثفة التي بذلتها، تبّين أن سياسة احتواء إيران كانت خطأ فاحشاً.
لكن الأوضاع انقلبت اليوم، فأضحت مصداقية واشنطن متدنية أكثر من أي وقت مضى. وغزو العراق واحتلاله أضعفا الولايات المتحدة على الصعيدين العسكري والدبلوماسي، والحرب التي شنّتها على حزب الله لم تسهم بالكثير لكسب أصدقاء جدد في العالم العربي، وعجز الحكومات العربية الموالية للغرب عن التأثير في واشنطن زاد من حجم الهوة التي تفصل بين هذه الأنظمة وشعوبها. وعلى الرغم من النجاحات الاقتصادية التي لا مجال لإنكارها، أصاب الضعفُ الدول العربية في الخليج لأن أمنها يرتبط بشكل مباشر بقوة الولايات المتحدة.
من ناحية أخرى، اكتسبت إيران مزيداً من القوة. فقد عجّلت إدارة بوش من بروز إيران كقوة رئيسية في الشرق الأوسط عبر إزاحة منافسَيها الرئيسيَّين ـ طالبان بأفغانستان وصدام حسين بالعراق ـ عن الرقعة الجيوسياسية. ولم تعد هناك قوة إقليمية يمكنها موازنة إيران واحتواؤها بدون دعم أميركي مكثف؛ ومع ارتفاع كلفة هذه السياسة، تزداد الشكوك في إمكانية استمرارها. وعاجلاً أو آجلاً ستنهار سياسة الاحتواء، وتُضطر الولايات المتحدة إما إلى مكاملة إيران مع المنطقة أو الدخول في مواجهة معها. ويبدو بشكل متزايد أن أفضل خيار لواشنطن ـ ولإسرائيل ـ هو تقبّل الواقع بشجاعة والبحث عن طريقة للتوصل إلى تسوية مع إيران لأن كلفة الإعراض عن التحدث إلى إيران ترتفع بشكل مستمرّ. غير أن المحافظين الجدد لا يزالون يعملون على إضاعة فرص التفاوض مع إيران من موقع قوة في السنين الخمس الأخيرة، لأنهم، كما إسرائيل، لا يرغبون في أية محادثات أميركية إيرانية أصلاً. نتيجة لذلك، ربما تبدأ المحادثات المستقبلية من نقطة أكثر مواتاة لإيران منها لواشنطن وتل إبيب.
الحل العسكري غير الموجود

سيكون أي عمل عسكري يوجّه ضدّ إيران محفوفاً بمخاطر شديدة؛ وستكون تكاليفه باهظة حتى في حال نجاحه. لذلك، يحذّر كبار الضباط في الجيش الأميركي وفي مشاة البحرية، فضلاً عن العديد من المحافظين الجدد داخل نخبة مسؤولي الأمن القومي الأميركي، من أن هجوماً أميركياً على إيران سينزل كارثة بالموقف الأميركي في العراق وفي المنطقة بوجه عام بسبب قدراتها غير النظامية على الهجوم المضادّ. من ناحية أخرى، لا يمكن لإسرائيل أن تهاجم إيران بمفردها. فسلاح الجو الإسرائيلي لا يزال يفتقر إلى القدرات التي تمكّنه من ضرب كافة المنشآت النووية الإيرانية المعروفة. فعلى العكس من البرنامج العراقي، تتوزّع المنشآت النووية الإيرانية في شتى أرجاء البلاد. بالإضافة إلى ذلك، المسافة التي تفصلها عن إيران أكبر بكثير، وهذا يعني أن الإسرائيليين لن يتمكنوا من الوصول إلى إيران بدون إعادة التزود بالوقود من الجو. والأهم من ذلك أن الخطط العسكرية الأميركية لا تتضمن استهداف المنشآت النووية وحسب، بل ومعظم أجزاء البنية التحتية المرتبطة بالبرنامج النووي. الولايات المتحدة قادرة على تدمير كافة هذه المواقع، ولكن إسرائيل غير قادرة على ذلك. كما أن حملة عسكرية متهورة وغير موفقة يمكن أن تجعل الزخم السياسي في صالح إيران وتقوّض الجهود الهادفة إلى وقفها. زد على ذلك أنه مع وجود نحو خمسة وعشرين ألف يهودي إيراني لا يزالون يقيمون بإيران، يمكن لمواجهة عسكرية أن تعرّض أمن هذا المجتمع القديم للخطر، وهي خطوة ستتردد الدولة اليهودية في اتخاذها. بالرغم من أن إسرائيل دفعت بواشنطن إلى التعامل مع إيران بطريقة صارمة، تحذر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بواشنطن من المبالغة في الضغط على الولايات المتحدة، خشية أن يعتبر الشعب الأميركي ذلك بمثابة ضغط على أميركا لكي تدخل حرباً من أجل إسرائيل. المنظمات اليهودية داخل الولايات المتحدة سبق أن طلبت بهدوء من البيت الأبيض عدم الإشارة إلى أمن إسرائيل بوصفه التعليل المنطقي الأول لحسم نهائي محتمل مع إيران، مخافة بروز ردّة فعل معاكسة من الشعب الأميركي.
طريق محتمل للخروج؛ التكامل الإقليمي والأمن الجماعي

هناك سياسة واحدة لم تخضع لبحث جدّي وهي التكامل الإقليمي من خلال الحوار والمشاركة. ستعتمد هذه السياسة على الاعتراف بأن إيران ـ كما الصين ـ دولة لا يمكن للولايات المتحدة احتواؤها إلى أجل غير محدود، وأن إيران تصبح أكثر عدائية عندما يتم إقصاؤها، وأنه يمكن للولايات المتحدة أن تؤثر في إيران بشكل أفضل عبر مساعدتها على الاندماج في التركيبة السياسية والاقتصادية للعالم بدلاً من إبقائها خارجها. كما أن هذه المقاربة تحظى بتأييد الناشطين الإيرانيين البارزين في مجال حقوق الإنسان الذي يعتقدون أن ذلك سيعمل على تسهيل الإصلاح السياسي الداخلي أيضاً. إن ما يطلبه الإيرانيون من حيث الجوهر هو إنهاء سياسة كبّدت الولايات المتحدة الكثير وأكسبتها القليل.
إلى جانب كون هذه السياسة الخيار السياسي الأقل كلفة، هناك مؤشرات على أن هذه السياسة تتمتع بفرصة لا بأس بها للنجاح. فهناك فكرة متأصلة في كل من إيران الإمبراطورية وإيران الإسلامية تعتمد على حجم إيران، وعدد سكانها، ومستوى المتعلمين فيها، ومواردها الطبيعية التي تدفع البلاد إلى السعي إلى رفعة الشأن، وعلى أنه ينبغي لإيران أن تلعب دوراً قيادياً يعكس وزنها الجيوسياسي. كان ذلك ـ وسيبقى ـ القوة الرئيسية الدافعة للسياسة الخارجية الإيرانية سواء في حقبة الشاه أو بعد الثورة الإسلامية في العام 1979. فقد تطلّعت إيران الثورية في البداية إلى أن تكون قائد العالم الإسلامي بأكمله. وتطلعات الشاه الخاصة بدور إيران تجاوزت إلى حدّ بعيد منطقة الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية، فقد كان يحلم بجعل إيران قوة بحرية متفوقة في المحيط الهندي.
لكن منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، خفضت طهران من مستوى طموحاتها، وقلّصت من حدود تعريفها لبيئة أمنها القومي بحيث بات يقتصر على الخليج العربي وبحر قزوين وليس الأوسط الكبير. داخل هذه المنطقة، تريد إيران أن تكون الأولى بدون منازع، وسياساتها الخارجية مالت إلى الراديكالية عندما سعت القوى الإقليمية والخارجية إلى عزلها واحتوائها. استناداً إلى مراد سغافي، وهو إصلاحي علماني تربطه علاقات عائلية وثيقة بالراحل آية الله الخميني، ستقبل إيران تودداً أميركياً يضمن مصالحها الإقليمية. ويضيف: "إذا قالوا، يوجد لإيران مكان في العالم، ونحن لا نريد مهاجمة إيران، ودعونا نسمح لإيران بأن تكون منتجاً رائداً للغاز، ستقول إيران أجل".
لكن بالرغم من أن إيران الثورية لم تتردد في التضحية بأهدافها الإيديولوجية من أجل بقاء الدول ونظامها، يبقى السؤال المطروح هو هل توجد ضمانات بأنها ستصبح أكثر براغماتية متى صار في مقدورها متابعة أهدافها الإيديولوجية بدون التضحية بموقعها الاستراتيجي؟ وهل ستبقى الإيديولوجية حافزاً ثانوياً لسياستها الخارجية، أم أنها ستصبح المحرّك الأول لها؟ باختصار، هل ستكون إيران الأقوى إيران أكثر راديكالية أيضاً؟ التوقعات الدقيقة مستحيلة وتدخل في علم الغيب. غير أن مراجعة لسلوك إيران في الماضي تدل على أن إيران الأقوى والأكثر تكاملاً هي أيضاً إيران الأكثر اعتدلاً. فسلوكها بعد الفوز الانتخابي الذي حققه الليكود في العام 1996 بمثابة تأكيد على ذلك. مع تنامي قوة إيران وتحسّن علاقاتها بالدول العربية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومع نجاحها في الردّ على الجهود الأميركية الهادفة إلى عزلها، تراجعت حدة موقفها من القضية الإسرائيلية الفلسطينية. فإيران لم تستخدم قوتها المتنامية في زيادة حدّة سياساتها المعادية لإسرائيل. ربما أدركت إيران أنها لن تتمكن من إقصاء إسرائيل عن صناعة القرارات الإقليمية (على غرار فشل إسرائيل في إقصاء إيران) وأنها لن تكون بحاجة على المدى البعيد إلى عزل إسرائيل لكي تحقق أهدافها القيادية.
يمكن لمقاربة أميركية جديدة أن تحوّل سياستها الخارجية تجاه إيران إلى قوة تدعم الاستقرار عبر القبول بالأهداف الأمنية الإيرانية المشروعة في مقابل تنازلات إيرانية في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى إدخال تعديلات هامة في السياسة الإيرانية، بما في ذلك قبول إيران بالدور العالمي لأميركا ووضع حدّ لعدائها لإسرائيل، وكما أشارت إيران نفسها في الاقتراح الذي قدّمته لواشنطن في العام 2003، ستقبل طهران بإسرائيل كحقيقة في المنطقة وتقبل حلاً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني قائماً على دولتين. لقد سبق أن حثّ وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر الولايات المتحدة على تبنّي هذه المقاربة في مقالة نشرتها الواشنطن بوست في مايو/ أيار 2006. كتب فيشر "ينبغي ألاّ تقل بدائل إيران عن الاعتراف والأمن أو العزلة الكاملة". فهذا النظام سيعكس على نحو أفضل التوازن الطبيعي للمنطقة، والذي بدوره سيجعلها أكثر استقراراً وأقل كلفة على الولايات المتحدة.
كما تحظى هذه الفكرة أيضاً بدعم بإسرائيل بين أوساط العناصر المعتدلة التي تعترف بأن مقاربة الفائز يحصد كافة الجوائز ربما ستجعل إسرائيل في موقف أضعف على المدى البعيد. ويجادل بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، على صفحات هآرتز بأن "السؤال المطروح اليوم ليس حول تحديد متى ستصبح إيران قوة نووية، وإنما حول كيفية دمجها في سياسة إرساء الاستقرار الإقليمي قبل أن تمتلك تلك القوة. إن إيران لا يدفعها هوس بتدمير إسرائيل، وإنما إصرارها على المحافظة على نظامها وتثبيت نفسها كقوة إقليمية استراتيجية إزاء كل من إسرائيل والدول العربية... إن الردّ على الخطر الإيراني هو في سياسة الوفاق الدولي التي ستغّير نمط سلوك النخبة بإيران". مضى بن عامي إلى حدّ الإشارة إلى أن هذه هي أولى المسؤوليات الملقاة على عاتق الولايات المتحدة وأكثرها أهمية، لكنه أشار إلى أن إدارة بوش ـ كما إسرائيل ـ أكثر اهتماماً بمحاربة الشرّ منه بمحاربة التوصل إلى حل للصراع. ويجادل بن عامي بأن الحوار الأميركي الإيراني بات ضرورة مطلقة، حتى وإن كان سيفضي إلى حلول وسطية مع واشنطن وتل أبيب، مثل الاعتراف بأهمية إيران على الساحة الإقليمية. على العكس من أسلافه في حزب العمل، يشير بن عامي إلى أن التخفيف من حدّة الخطر الإيراني سيصب في مصلحة العملية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية، وأن السعي إلى المبالغة في تصوير هذا الخطر لتخويف العرب والشعب الإسرائيلي من الجلوس إلى طاولة المفاوضات سيلحق الضرر بإسرائيل على المدى الطويل.
ما يطرحه بن عامي هو أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لن يُحَلّ ما لم تتم مراعاة السياق الجيوسياسي الذي يدور في إطاره. وهناك العديد ممن يجادل بأن القضية الإسرائيلية الفلسطينية هي المفتاح لحلّ كافة المشكلات التي يعاني منها الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، كان كولن باول يرى أن العملية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية ستمهد الطريق أمام التوصل إلى تسوية مع إيران. لكن المفتاح ربما يكمن في الاتجاه آخر. صحيح أن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين يلامس كل شخص وكل شيء في المنطقة بطريقة عاطفية عميقة، لكنه ليس صراعاً يحدد التوازن الجيوسياسي. كما أنه ليس مدفوعاً بالعوامل الجيوسياسية أيضاً. بدلاً من ذلك، إنه يمثل انعدام التوازن الجيوسياسي في المنطقة وهو ما يجعل الصراع عصياً على الحلّ. وما لم تتم معالجة الصراعات الكامنة في المنطقة، فإن أية عملية تهدف إلى حلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ستكون رهينة المنافسات الجيوسياسية. بناء على ذلك، سيبقى هذا النزاع أسير المنافسة بين إسرائيل وإيران على النظام المستقبلي للمنطقة، كما كان عليه الحال في منتصف تسعينيات القرن الماضي. من الواضح أن هذه القضايا مترابطة، سواء أجرت معالجتها انطلاقاً من هذه الحقيقة أم لا.
بالرغم من أنه يمكن لواشنطن فقط أن تقود عملية إعادة دمج إيران في النظام الإقليمي، يلزم اتخاذ خطوات جوهرية أيضاً من جانب إسرائيل لإنجاح هذه السياسة. إن القناعة المطلقة بأن جيران إسرائيل العرب سيعمدون إلى تدميرها إن استطاعوا تجعل الدولة اليهودية تسعى إلى المحافظة على وجودها من خلال الهيمنة العسكرية. الإسرائيليون يعتقدون بشدة بمفهوم يشار إليه بالحافة الاستراتيجية أو العسكرية. وتعتقد القيادة الإسرائيلية بوجه عام أن النوايا العدوانية لجيرانها غير قابلة للتغيير، مما يجعلها غير مبالية بتأثير أفعالها على أهدافها. بالنظر إلى صغر الحجم الجغرافي لإسرائيل وقلة عدد سكانها، يقول المبدأ القياسي بأنه لا يوجد أمامها خيار سوى السعي إلى أن تكون أقوى من كافة جيرانها على مرّ الأزمان لأنه "في حال امتلك أي من أعدائها القدرة على التخلّص منّا، فسيقوم بذلك"، على حدّ تعبير صموئيل بار، وهو ضابط قديم في الاستخبارات الإسرائيلية. من جانب آخر، يرفض أغلب الإسرائيليين الفكرة التي تقول بأنه يمكن لإسرائيل أن تؤثر في أهدف إيران ودوافعها. يصر الجنرال الإسرائيلي جلعاد على القول بأن "إيران تعمل بوحي من أحلامها، وحلمها هو تدمير إسرائيل... لا شيء يمكن أن يغير رأيهم. إنهم يتحلّون بالمرونة فقط فيما يتعلق بالمدى الزمني الذي سيستغرقه هذا الأمر". إذا كانت النوايا غير قابلة للتغيير، فلن يكون أمام إسرائيل خيار سوى ضمان ضعف جيرانها. وطالما أن إسرائيل تبقى جيرانها ضعفاء، فلن يكون لنواياهم أهمية. يجادل نائب وزير الدفاع سنيه فيقول: "في هذه المنطقة، علينا أن ننظر إلى كل سلاح كما لو أنه موجّه نحو إسرائيل. هذا هو الافتراض الذي ينبغي أن يكون دليلنا في كل شيء نقوم به. فنحن نعيش في منطقة خطرة وغير مستقرّة، ويتعين علينا أن نعيش وفقاً لسيناريوهات الحالة الأسوأ طوال الوقت".
ينبع التأكيد على سيناريوهات الحالة الأسوأ، بدرجة كبيرة، من الإفراط في التعويض عن الشعور بالنقص الذي تملّك الجهاز الاستخباري بسبب الفشل الذي وقع فيه غداة حرب تشرين في العام 1973، عندما قلل من تقدير القدرات العربية فيما بالغ في تقدير قدراته الخاصة. النتيجة كانت أن إسرائيل المعجَبة بنفسها صُعقت من الهجوم المصري السوري المفاجئ والجيد التنسيق والذي ألحق بالإسرائيليين خسائر جسيمة في الأيام الأولى من تلك الحرب، وكاد أن يؤدي إلى هزيمة ساحقة، قبل أن تستعيد إسرائيل توازنها وتتحول إلى الهجوم. يقول صموئيل ليمون من وزارة الدفاع: "كان تصحيح هذه الخطأ مبالغاً فيه. واليوم، باتت الثقافة السائدة، وأسمح لنفي بالقول بأن عقلية الاستخبارات... هي في أن تنسب إلى العدو قوة غير محدودة تقريباً وتقلل بالكامل من تقدير ما تعنيه قوتنا بالنسبة إليهم". تميل هذه العقلية التي تنذر بالشؤم إلى التوصل إلى تكهنات ترضي الذات، وتجسّد سيناريوهات الحالة الأسوأ بدلاً من أن تمنعها من الظهور. زد على ذلك أن التشديد على الدعاية العدائية التي يطلقها أعداء إسرائيل ـ وهي وفيرة في حالة إيران ـ يميل إلى جعل إسرائيل تفوّت الإشارات الإيجابية أو تتجاهلها بوصفها تكتيكات خادعة. بتطبيق ما تقدم على المستوى التالي، نجد أن هذه السياسة تملي على إسرائيل وجوب القيام بعمل استباقي ضد أية دولة أو منظمة توشك على امتلاك قدرات يمكن أن توفر لها توازناً في القوى. واستناداً إلى ديفيد إيفري، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، المبدأ الاستباقي سياسة إسرائيلية قديمة، ويضيف: "تقاليدنا تشير إلى أنه يجدب عليك أن تنهض أولاً وتقتل الذي يريد أن ينهض ليقتلك. إن عبارة تنهض أولاً تلخّص هذا المبدأ برمّته".
في أبريل/ نيسان 2004، تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون تقريراً شاملاً عن الأمن القومي ـ المشروع دانيال ـ جادل بأن لإسرائيل حقاً أصيلاً بالعمل الاستباقي لأن القيادات العربية والإيرانية، كما استنتج التقرير، غير عقلانية ولا تقيم وزناً للمحافظة على الذات. هذا يضعف من فاعلية الردع الإسرائيلي، ويوجب تحقيق هيمنة عسكرية كاملة، وتجنّب التساوي في القوى مهما تكن التكاليف. بناء على ذلك، أي شيء لا يرقى إلى مستوى التفوق الإسرائيلي الساحق سيشكّل خطراً وجودياً على الدولة اليهودية. نتيجة لذلك، يتعين على إسرائيل أن تسعى باستمرار إلى التفوق على جيرانها عبر استباق أية دولة تريد أن تتحدّاها. ومع تطور الدول التي في المنطقة، يتعين على إسرائيل أن تسبقهم في التطور، وإسرائيل لا تستطيع تحمّل خسارة موقعها الريادي، لأنه في حال امتلك جيرانها اليد العليا في الميدان العسكري، فلن يترددوا في تدميرها. يظهر هذا المبدأ لماذا قد تكون الديموقراطية بإيران غير كافية لإحداث تغيير جوهري في النافسة الإسرائيلية الإيرانية، لأنه حتى إيران الديموقراطية ستعتبر خطراً على إسرائيل إذا كان في مقدورها تحدّي التفوق العسكري الإسرائيلي ـ النووي أو التقليدي. ويعترف أحد المحللين الإسرائيليين بالقول: "أصبحت هذه هي الطريقة الوحيدة التي نعتقد بأنها تضمن لنا وجوداً في هذه المنطقة. إنها في وجه من الوجوه شكل من أشكال الهيمنة. ولكنها ليست هيمنة على الإطلاق. فنحن لا نريد ولا نفكر في أن نكون القوة الثقافية المهيمنة. إنه الوجود من خلال الهيمنة". لكنها تبقى هيمنة على أية حال.
في حين أن الاندماج هو السياسة الوحيدة التي يمكن أن تثّبت دعائم الاستقرار في المنطقة، لكنها لن تتكلل بالنجاح ما لم يتم التخفيف من حدّة المنافسة الإسرائيلية الإيرانية، وهذا بدوره يتطلب إدخال تغييرات هامة في السياسات الخارجية والأمنية لكل من إسرائيل وإيران. في الحدّ الأدنى، يتعين على إيران القبول بحل قائم على دولتين والتقليل من طموحاتها الإقليمية عبر الرضى بدور لا يتجاوز شرعية تسهم في دعم الاستقرار في المنطقة إذا استمرت في النظر إلى قدراتها العسكرية غير النظامية كأداة سياسية مشروعة. من ناحية أخرى، يتعين على إسرائيل أن تعدّل وجهة نظرها العسكرية لأنه يرجّح أن يضعها اعتقادها بأنه يتعين عليها الهيمنة عسكرياً على المنطقة على مسار تصادمي مع طهران بغض النظر عن إيديولوجية إيران، أو تركيبتها السياسية، أو سياساتها. كما أنه على الأرجح أن يؤدي التخلّي عن هذا المبدأ العسكري إلى تسهيل صنع السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب.
سيبقى التصادم بين طموحات إيران الإقليمية وإصرار إسرائيل على الهيمنة الاستراتيجية سبباً لزعزعة الاستقرار والإضرار بمصالح واشنطن في المنطقة ما لم تعترف أميركا بأنه لا يمكن إرساء الاستقرار ولا الديموقراطية بدون إنهاء لعبة الموازنة والسعي بصدق إلى بناء شرق أوسط يكامل بين التطلعات المشروعة للدول كافة، بما في ذلك إيران. لكن إدارة بوش لا تزال مصّرة لغاية الآن على مقاومة مثل هذا التحوّل. في مرحلة ما على الطريق، سيعتري أميركا ضعف شديد بسبب إخفاقها في العراق لدرجة أن المنافسة الإسرائيلية الإيرانية ستطغى على المخاوف التي تساور واشنطن من أن إيران ستنجح في تحدّي هيمنتها في المنطقة. ففي خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه بوش في 10 يناير/ كانون الثاني 2007، اتهم بوش إيران بزعزعة استقرار العراق ودعم الميليشيات الشيعية لقتل الجنود الأميركيين هناك، فيما تغاضى عن حقيقة أن المتمرّدين السنّة مسؤولون عن أكثر من 90 في المائة من الإصابات التي تكبّدها الأميركيون بالعراق. بدافع من رغبة جامحة للمحافظة على هيمنة أميركا على المنطقة، أشار بوش إلى أنه ستتم مواجهة إيران وفرض مزيد من العزلة عليها من قبل الولايات المتحدة عبر تشكيل تحالف مناوئ لإيران يتألف من الدول العربية وإسرائيل، بمعنى أن سياسة توازن القوى ستبقى الدليل الذي يوجّه أميركا.


كلمات البحث

الجامعات السعودية , تعليم , التعليم , منتدى الجامعات





trvhj lk ;jhf ( pgt hglwhgp hglajv;m ) hlvd;h h[vhk hsvhzdg jphgt pgt hglwhgp hglajv;m




نشر
 توقيع : عبد الله الجبرتي


رد مع اقتباس
إضافة رد
  

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
امريكا, اجران, اسرائيل, تحالف, حلف المصالح المشتركة

« - | - »
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب مساعد مع كتاب الرياضيات 114 نصحية حلووووو + صورة للكتاب كفو وجاد MATH 111 7 02-11-2011 11:14 AM
اصحاب المصالح وٍسأقرأهم هنا ؟ كفو وجاد قاعة الحوار 2 03-10-2009 05:08 AM
فقرات العنق الطالبة ريم الأحياء 1 24-07-2007 05:33 PM



Bookmark and Share

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 04:53 PM.

أقسام المنتدى

جامعة الملك عبدالعزيز - كلية إدارة وإقتصاد (إنتساب) - قسم الإستفسارات العامة | جامعة الملك عبدالعزيز - كلية الآداب (إنتساب) - قسم الإستفسارات العامة | قاعة ملتقى الجميع | قاعات المنتدى العام | العلوم الهندسية | قاعة جامعة الملك خالد | قاعة جامعة الملك فيصل | قاعة إضافة الأقسام والإقتراحات | قاعة تراحيب الأعضاء | قاعة الجامعة العربية المفتوحة | كشكول الجامعات السعودية | قاعة الأسرة | إسلاميات | قاعة تطوير الذات | القاعات الفنية و التقنية | قاعة جامعة طيبة | علوم وهندسة الحاسب الآلي | قاعة كلية دار الحكمة | قاعة جامعة عفت | قسم إدارة أعمال | القسم التعليمي | جامعة الملك عبدالعزيز - كلية إدارة وإقتصاد (إنتساب) - قسم الملخصات واسئلة الإمتحانات | إستفسارات عامة | القسم التعليمي | جامعة الملك عبدالعزيز - كلية الآداب (إنتساب) - قسم الملخصات واسئلة الإمتحانات | المنتديات الإدارية | منتدى المشرفين | قاعة جامعة الطائف | قاعة جامعة القصيم | قاعة جامعة حائل | ارشيف مسابقات منتدى الجامعات السعودية | قاعة أســـفار | قاعة كلية الرياض | قاعة الميديا | قاعة جامعة الجوف | قاعات أعضاء هيئة التدريس ومنسوبوا الجامعات | قاعة د. محمد خليص | قاعة جامعة جازان | قاعات الأقسام الإدارية | قاعة الإرشيف العامة | قاعة الأكاديمية الدولية للعلوم الصحية | برامج كمبيوتر | نت و حاسب | سؤال وجواب | مواقع مفيدة | جوال (برامج ومعلومات) | قاعات التخصصات المشتركة - ملتقى أصحاب التخصص من الجامعات المختلفة | ملتقى كليات العلوم والرياضيات لجميع الجامعات | ملتقى كليات الإقتصاد و الإدارة (تجارة) لجميع الجامعات | الأحياء | محاسبة | لغة إنجليزية | ملتقى كليات الآداب والعلوم الإنسانية لجميع الجامعات | جمال المنزل | قاعة الحوار | فنون الطبخ | قاعة القصص والروايات | قاعـــة حــــواء | قاعة جامعة أم القرى | قاعة جامعة الملك سعود | قاعة جامعة الملك فهد | قاعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية | الكيمياء | الأسرة و الطفل | قاعة الطب و الدواء | الرياضيات | قاعة معهد الإدارة العامة | دروس و تصاميم | قاعة د.فوزية | التقنية الحيوية | تقارير المشاركات | قاعة إستشارات الماجستير لجميع الجامعات السعودية | ألعاب و مسابقات و تحدي | قاعة حوار الأعضاء مع الإدارة أو طرح الشكاوى | قاعة كلية إبن سينا | طرائف و تسلية | ملتقى الاخوات | قاعة جامعة الملك عبدالعزيز (فقط إنتظام) | قاعة الوظائف و الدورات التدريبية | قاعة إستشارات بكالوريوس " إنتظام " جميع الجامعات السعودية | كلية علم النفس والاجتماع | قسم الإقتراحات | مشاكل العضوية وتغيير المعرف | قاعة المخالفات (مواضيعها لا تظهر للأعضاء) | ملتقى كليات الطب والعلوم الطبية لجميع الجامعات | الطب البشري | طب الأسنان | الصيدلة | التمريض | طلبات ...استشارات في المجال الطبي | ملتقى كليات الهندسة لجميع الجامعات | الفيزياء | إدارة أعمال | إدارة عامة | لغة فرنسية | تاريخ | جغرافيا | قاعة كلية التربية | المختبرات الطبيه | القاعة العامة للهندسة | القاعة العامة للعلوم | القاعة العامة للإقتصاد والإدارة | القاعة العامة للآداب | ملتقى كليات الشريعة واصول الدين واللغة العربية والحقوق لجميع الجامعات | كلية الشريعة | كلية الدعوة واصول الدين | كلية اللغة العربية | قاعات الجامعات والكليات السعودية الحكومية | قاعات الجامعات والكليات السعودية الأهلية | تحذيرات و تنبيهات | أخبار القبول والتسجيل في الجامعات السعودية | قاعة كلية إدارة الأعمال (CBA) | قاعة كلية البترجي الأهلية للعلوم الطبية والتقنية | مجلس الادارة | نتائج مسابقات منتدى الجامعات السعودية | قاعة جامعة البنات | قاعة كليات العلوم الصحية | قاعة المدرب بحور كلماتي | أنا أبحث عن وظيفة | الوظائف المتاحة لدى القطاع الخاص | الدورات التدريبية والفعاليات المجانية | الوظائف المتاحة لدى الجهات التعليمية | إستفسارات | قسم إدارة عامة | إستفتاء منتدى الجامعات السعودية | الجداول والدورة التأهيلية | الجداول والدورة التأهيلية | ملخصات إدارة وإقتصاد المستوى 1 | ملخصات إدارة وإقتصاد المستوى 2 | ملخصات إدارة وإقتصاد المستوى 3 | ملخصات إدارة وإقتصاد المستوى 4 | طلبات و إضافة الملخصات | طلبات و إضافة الملخصات | ملخصات آداب المستوى 1 | ملخصات آداب المستوى 2 | ملخصات آداب المستوى 3 | ملخصات آداب المستوى 4 | قسم اللغات الأوروبية وآدابها | قسم علم الإجتماع | قسم اللغة العربية وآدابها | قسم الدراسات الإسلامية | قسم علم النفس | أرشيف إنتساب إدارة وإقتصاد | أرشيف إنتساب آداب | قسم التاريخ | إستفسارات عامة | بقعة ضوء | قاعات نبض الأمة | قاعات جامعة الملك عبدالعزيز (إنتساب جديد) السنة التحضيرية | قاعة استفسارات القبول والتسجيل لطلاب وطالبات السنة التحضيرية | قصص شخصيات مهمة | قصص أطفال | قصص عامة | ENGLISH FORUM | مسابقات المنتدى الدائمة | قاعة ديني حياتي | أحاديث وأدعية وقصص غير صحيحة | القاعة العامة لطلاب وطالبات التعليم عن بعد | معلنين لدى المنتدى | ضيف شرف | قاعة جامعة وكليات الشمال | كلية الحقوق والأنظمة | أرشيف السنة التحضيرية | المؤتمر الخليجي - الجامعة التي نريد | قاعة جامعة الأمير سلطان | مواضيع دينية تحت البحث | مسابقة الطاهي المميز | قاعة إدارة منتدى الجامعات السعودية | أحدث أخبار الجامعات | العضويات | قاعة الكليات العالمية الأهلية | يومياتي ومتنفس قلمي | قاعة النشرة الدورية | صوتيات ومرئيات دينية | قاعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة | تدريبات الجامعات السعودية | قاعات جامعة الملك عبدالعزيز (التعليم عن بعد) | قاعات جامعة الامام محمد بن سعود ( انتساب مطور ) | جامعة الامام ( انتساب مطور ) - قاعة الدورة التأهيلية | جامعة الامام ( انتساب مطور ) - قاعة كلية الإدارة والإقتصاد | قاعة كلية الشريعة | قاعة كلية الدعوة | قاعة كلية الفارابي | قاعة جامعة نجران | قاعة مركز الدعوة والإرشاد بمحافظة الدرعية | مسابقة كنز رمضان | الوظائف المتاحة لدى القطاع الحكومي | قاعات جامعة الملك عبدالعزيز (إنتساب) كلية إدارة وإقتصاد و كلية آداب وعلوم إنسانية | قاعة كلية المعرفة | قسم إعلام ـ علاقات عامة | قاعة د. نصر خباز | قاعة كليات التقنية | قاعة جامعة الفيصل الأهلية | ملتقى كليات الإقتصاد المنزلي لجميع الجامعات | الغذاء والتغذية | إدارة السكن والمؤسسات | التصميم الداخلي | دراسات الطفولة | الملابس والنسيج | الفنون الإسلامية | الإقتصاد المنزلي التربوي | القاعة العامة للإقتصاد المنزلي | القاعة العامة | المستوى الأول | المستوى الثاني | المستوى الثالث | المستوى الرابع | المستوى الخامس | المستوى السادس | القاعة العامة | القاعة العامة | القاعة العامة لكلية الدعوة | قاعة الكتب الإلكترونية | مواضيع بدون مرفقات | ملخصات السنة التحضيرية | القاعة العامة ( خطة أ ) | كل ما يخص الدورة التأهيلية الخاصة بالخطة أ | كل ما يخص الجداول والحذف والإضافة وإختبارات خطة أ | القاعة الخاصة لطلاب وطالبات الخطة أ | القاعة العامة ( خطة ب ) | القاعة الخاصة لطلاب وطالبات الخطة ب | كل ما يخص الدورة التأهيلية الخاصة بالخطة ب | كل ما يخص الجداول والحذف والإضافة وإختبارات خطة ب | قاعة نظم إسلامية (المستوى الأول) | STAT 111 | ISLS 101 | IS 101 | ELCA 101 | CPIT 100 | MATH 111 | ARAB 101 | COMM 101 | مكتبة كتب دينية | مكتبة كتب علمية | مكتبة كتب حاسب و برمجة | مكتبة كتب تاريخية | مكتبة كتب متنوعة | مكتبة كتب تجارية ومشاريع | مكتبة كتب أطفال وتربية | أرشيف التعليم عن بعد | قاعة كليات الغد الدولية | أرشيف الكليات العالمية الأهلية | أرشيف كلية الفارابي | أرشيف كلية المعرفة | أرشيف كليات الغد الدولية | قاعة الحج | تطوير مواقع | قاعة جامعة دار العلوم الأهلية | ELCA 102 | قاعة كلية العناية الطبية | قاعة رمضان المبارك | المجلة الرمضانية | مسابقة رمضان الثالثة 1432 | قاعات الجامعات السعودية الأهلية | قاعات الكليات السعودية الأهلية | مسابقات المنتدى | قاعات الإدارة | مكتبة كتب سياسية |


     

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
This Forum used Arshfny Mod by islam servant

Security team